بمداواته وإنّما منشأ ذلك عدم ممارسته العلوم الحقيقيّة وعدم اطّلاعه على معرفة النفس وأحوالها ومراتبها - فإنّها امّ الفضائل وأصل الحكمة ، ومفتاح سائر المعارف - وجهله بأنّ هذه نفس ثارت وظهرت بجهلها وتفرعنت لوجود كبرها وبقايا كفرها وأنانيّتها برؤية نفسها خيرا من غيرها ، وتكبّرها بإظهار ذلك بفعل أو قول .
وأمّا العالم الصوفي الزاهد فلا يميز نفسه بشيء دون المسلمين ، فلا يرى نفسه في مقام يميّزها بمجلس مخصوص مميّز . ولو قدر أن يبتلى بمثل هذه الواقعة ، وينقبض من تقديم غيره عليه وترفّعه يرى حال النفس وظهورها ، ويرى انّ هذا داء يحتاج فيه إلى الدواء ، وإنّه إن استرسل فيه بالإصغاء إلى النفس ، صار ذلك بالرسوخ مرضا مهلكا . فيرفع في الحال دائه إلى اللّه ويشكو إليه ظهور نفسه ، ويحسن الإنابة بقطع دابر ظهور النفس ، ويرفع القلب إلى اللّه مستغيثا من النفس ، ويشغله في طلب دوائها .
وربما أقبل على من قعد فوقه بمزيد التواضع والانكسار تكفيرا لذنبه الموجود ، وتداويا لدائه الحاصل .
فينكشف ويتبيّن بهذا الفرق بين الرجلين ، وهذا من أوائل علوم الصوفيّة ومبادي أحوالهم . فما ظنّك بنفائس علومهم وشرائف أحوالهم .
وفي وصايا لقمان 83 لابنه : « يا بنيّ لا يستطاع العمل إلّا باليقين ، ولا يعمل المرء إلّا بقدر يقينه ، ولا يقصر عامل حتّى يقصر يقينه فكان اليقين أفضل من العلم ، لأنّه أدعى إلى العمل ، وما كان أدعى إلى العمل كان أدعى إلى العبودية ، وما كان أدعى إلى العبودية كان أدعى إلى القيام بحقّ الربوبية وإلى كمال الحظ من اليقين .
أقول : قد تبيّن من كلامه إنّ العلم هو الأوّل والآخر ، والفاعل والغاية . وذلك لأن العمل يترشّح من العلم ، والعلم هو ثمرة العمل .
والعلماء الآخريّون أدلّاء الامّة ، وأعمدة الدين ، وسرج ظلمات الجهالات
تفسير القرآن الكريم — صفحة 268
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٦٨