علمك بظلمة الذنوب ، فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم » .
وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول لعلماء الدنيا : « يا أصحاب العلم - قصوركم قيصريّة ، وبيوتكم كسرويّة ، وأبوابكم طالوتيّة ، وأخفافكم جالوتيّة ، ومراكبكم قارونيّة ، وأوانيّكم فرعونيّة ، ومذاهبكم شيطانيّة ، ومآثمكم جاهليّة . فأين المحمديّة ؟ وأنشد :
وراعى [ الشاة ] يحمى الذئب عنها * فكيف إذ الرعاة لها ذئاب
وقال سفيان بن عيينة : « أجهل الناس من ترك العمل بما علم ، وأعلم الناس من عمل بما يعلم ، وأفضل الناس أخشعهم وأخشاهم للّه » . وهذا قول صحيح يحكم بأنّ العالم إذا لم يعمل بعلمه فليس بعالم ، فلا يغرّنك تشدّقه واستطالته وحذاقته وقوّته في المناظرة والمجادلة ، فإنّه جاهل القلب عليم اللسان . وشرّه أعظم .
فصل [ التعرّف بعلماء الآخرة ]
إنّ العالم في الحقيقة هو العارف الصوفي المخلص للّه دينه عن شوائب أغراض الدنيا وشهواتها ، فإنّ أردت تحقيق هذا اصوّر لك مثالا ينكشف بها للمعتبر فضل العالم العارف بصفات نفسه على العالم الظاهري المغرور بكثرة روايته : إذا دخل عالم مجلسا وقعده ، وعيّن لنفسه مجلسا يجلس فيه كما في نفسه من اعتقاده بمحلّه وعلمه ، فدخل داخل من أبناء جنسه وقعد فوقه ، فانقبض العالم وأظلمت عليه الدنيا ، ولو أمكنه لبطش بالداخل .
فهذا عارض عرض له ، ومرض اعتراه ، وهو لا يفطن انّ هذه علة غامضة ومرض يحتاج إلى المداواة ، ولا يتفكّر في منشأ هذا المرض ، ولو علم منشأه لاشتغل