فصل [ علامات علماء الآخرة ]
فإن قلت : كيف يمكن لأحد أن يعرف علماء الآخرة حتّى يقتدي بهم ، والعلم الحقيقي حالة باطنيّة ؟ وبما ذا يمتازون عن علماء الدنيا ؟
قلت : إنّ لهم علامات ذكرها بعض المحققين « 1 » :
منها أن لا يطلب الدنيا بعلمه . فإنّ أقلّ درجات العالم أن يدرك حقارة الدنيا وخسّتها وكدورتها وانصرامها ، وعظم الآخرة ودوامها وصفاء نعيمها وجلالة ملكها ، ويعلم إنّهما متضادا ، وإنّهما كالضرّتين - مهما أرضيت أحدهما أسخطت الأخرى . . . وإنّما كالمشرق والمغرب - متى قربت من إحداهما بعدت عن الأخرى إذ الآخرة عالم النور والقصور ، والدنيا عالم الظلمة والقبور ، وإنهما ككفّتي الميزان مهما رجحت إحداهما خفّت الأخرى ، كما قال أبو نصر الفارابي في نظم له « 2 » :
عابوا عليّ خصاصتي فأجبتهم * حظّ وعلم كيف يجتمعان 77
رجحان ذا خسران ذا وكلاهما * يتخالفان ككفّتي ميزان
حاز الجهول الرزق بالسبب الذي * وقع اللبيب به على حرمان
فمن لم يعلم حقارة الدنيا وكدورتها ، وامتزاج لذّتها بالمها ، ثمّ انصرام ما يصفو منها - فهو فاسد العقل . فإنّ المشاهدة والتجربة ترشد إلى ذلك ، فكيف يكون من العلماء من لا عقل له ؟ ! ومن لا يعلم عظم أمر الآخرة ودوام نعيمها وجحيمها فهو كافر
هامش
( 1 ) الغزالي في احياء علوم الدين : كتاب العلم ، الباب السادس 1 / 60 . ملخصا .
والظاهر أن الغزالي أيضا أخذ جل ما قاله هناك من قوت القلوب لأبي طالب المكي :
« باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة » 1 / 140 .
( 2 ) الاشعار غير موجودة في الأحياء .