النار ، فتندلق أقتابه « 1 » ، فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا . فيطوف به أهل النار فيقولون « مالك ؟ » فيقول : « كنت آمر بالخير ولا آتيه ، وانهي عن الشرّ وآتيه » .
وإنّما يضاعف عذاب العالم في معصيته لأنّه عصى عن علم ، ولذلك قال تعالى .
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ
[ 4 / 145 ] لأنّهم تعدّوا بعد العلم ، وجعل اليهود شرا من النصارى ، مع انّهم ما جعلوا للّه ولدا ، ولا قالوا :
إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ
ولكن كفروا وأنكروا بعد المعرفة ، وقال تعالى
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ
[ 2 / 89 ] وقال تعالى في قصّة بلعم بن باعورا :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها
حتّى [ قال ]
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ
[ 7 / 176 ] فكذلك حكم العالم الفاجر ، فإنّ بلعم أوتي كتاب اللّه فأخلد إلى الشهوات فشبّهه بالكلب . أي : سواء أوتي بالحكمة أو لم يؤت ، فهو مخلّد إلى الشهوات .
و
قال [ عيسى عليه السّلام ] « 2 » : « مثل علماء السوء كمثل صخرة وقعت على فم النهر - لا هي تشرب ولا تترك الماء تخلص إلى الزرع . ومثل علماء السوء مثل قناة الحشّ ظاهرها خضر وباطنها نتن ، ومثل القبور ظاهرها عامرة وباطنها عظام الموتى » .
وفي المثنوي للمولى الرومي رحمه اللّه أبيات جيّدة في بيان حالهم وكشف عوارهم ، فهذه الأخبار والآثار تدلّ على أنّ العالم الذي هو من أبناء الدنيا أخسّ حالا وأسوء عاقبة ومآلا وأشدّ عذابا من الجاهل السليم القلب . وأنّ الفائزين المقرّبين هم علماء الآخرة .
هامش
( 1 ) اندلق الشيء : خرج من مكانه . والأقتاب جمع قتب : المعى .
( 2 ) إحياء علوم الدين 1 / 60 . قوت القلوب 1 / 141 .