فصل
ليس في نهيه تعالى عن أن يكونوا أول كافر به دلالة على أنه يجوز أن يكونوا آخر كافر به ، لأنّ المقصود النهي عن الكفر على كلّ حال ، وخصّ الأوّل بالذكر لما ذكر من عظم موقعه ، وكما إنّ قوله تعالى :
رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها
[ 13 / 2 ] لا يدلّ على وجود عمد لا يرونها . و [ قوله ] :
وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ
[ 4 / 155 ] [ لا تدلّ على جواز قتلهم بحقّ ] وقوله - عقيب هذه الآية :
وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا
لا يدلّ على إباحة ذلك بالثمن الكثير . وكما قال الشاعر « 1 » :
من أناس ليس في أخلاقهم * عاجل الفحش ولا سوء الجزع
وليس على يريد أنّ فيهم فحشا آجلا . فكذا هاهنا . بل الغرض من هذه السياقة التنبيه على استعظام كفر من قرء في الكتب نعت محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، ثمّ جحد به . ولأن في قوله :
وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ
دلالة على أن كفرهم أوّلا وآخرا مخطور ، لأنّ تحقّق وجود الشيء موقوف على ارتفاع جميع أنحاء عدمه أو ضدّه ، وكذا تحقق الايمان بما انزل في كلّ وقت متوقّف على ارتفاع جميع أنحاء الكفر به في ذلك الوقت ، ولأنّ الايمان نوع من نور اليقين ، فإذا حصل في القلب لا يمكن رفعه فكلّ من آمن أوّلا ايمانا بالحقيقة فهو مؤمن أخيرا لا يزال .
فصل قوله : وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا
أي : ولا تستبدلوا الايمان بالرسول وتعلّم الحكمة والاطّلاع على آيات اللّه بثمن قليل من مال الدنيا وجاهكم الحقير عند أبنائها . 76
هامش
( 1 ) هو سويد بن أبي كاهل .