وقيل : معناه ولا تكونوا أوّل من جحد مع المعرفة ، لأنّ كفر قريش لم يكن مع المعرفة .
وقيل : معناه لا تكونوا أوّل الكافرين به عند السماع ، بل تثبّتوا وراجعوا عقولكم وتدبّروا في معانيه حتّى يظهر لكم حقيّته وصدقه .
وقيل معناه : لا تكونوا أوّل كافر به من كفّار اليهود ، لأنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله قدم المدينة وكانت بها القريظة والنظير ، فكفروا به ، ثمّ تتابعت سائر اليهود على ذلك الكفر .
وقال المبرّد هذا الخطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم ، فقيل لهم : لا تكفروا بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله ، فإنّه سيكون بعدكم الكفّار ، فلا تكونوا أوّل الكفّار .
* * * واعلم إنّه انّما عظم أوّل الكفر لأنّهم إذا كانوا أئمّة لهم وقدوة في الضلالة كانت ضلالتهم أعظم وكفرهم أشدّ ، إذ كما انّ السابقين إلى الايمان كانوا أعظم قدرا في الثواب ، وأشدّ قربا من اللّه ، لقوله
وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
كذلك السابقون إلى الكفر ، كانوا أعظم ذنبا ممن بعدهم ، وأشدّ ضلالا وأكثر بعدا عن الحقّ .
ولما
روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله « 1 » : « من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة . ومن سنّ سنّة سيّئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » .
وقيل : إنّ الأوّلية موجبة لمزيد القبح والإثم ، وذلك لأنّهم إذا سبقوا إلى الكفر فإمّا أن يقتدى بهم غير فيه أوّلا ، فالأول يوجب أن يكون لهم وزر ذلك الكفر ووزر من كفر إلى يوم القامة . والثاني يوجب أن يجتمع فيه أمران ، السبق إلى الكفر ، والتفرّد به ، ولا شكّ في أنّه منقصة عظيمة .
هامش
( 1 ) راجع كنز العمال : 15 / 780 وأيضا البحار : 71 / 257 .