هذا العهد هو النور النبويّ الربّاني - المعبّر عنه بالأمانة المعروضة على السماوات والأرض ، الذي كلّف الإنسان بتحمّله وكان ذلك النور محتجبا بالحجب الكونيّة في أوائل الخليقة ، ثمّ لا يزال يظهر شيئا فشيئا بحسب ارتفاع الحجب الظلمانيّة والنوريّة في كل زمان ، وخروج النفوس الإنسانية من حدود القوّة إلى حدود الفعل في كلّ أوان ، حتى ظهر بعض ذلك النور في زمن سائر الأنبياء كإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ، وظهر تمامه في زمن خاتم الأنبياء عليه وآله السلام .
فايفاء العبد بهذا العهد هو معرفة هذا النور الذي أنزل اللّه على قلب رسوله صلّى اللّه عليه وآله ، بل هو بالحقيقة رسول اللّه ، كما دلّ عليه قوله :
قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ
[ 5 / 15 ] .
فالنور هو لوح ضميره الذي هو نور من أنوار اللّه ، وسرّ من أسراره . وأمّا الكتاب فهو كلام اللّه النازل عليه ، الدالّ على معرفة الحقّ الأوّل وآياته وملائكته وكتبه العقليّة والنفسيّة ، وأحكامه القضائيّة والقدريّة ، وكيفيّة تعلق علمه وقدرته بجميع الموجودات ، وكيفية عنايته وحكمته في خلق السماوات والأرض وانبساط نور وجوده على صفحات الماهيّات وهياكل المكنات ، ومعرفة المعاد وكيفية حكمه برجوع الأشياء كلّها يوم القيامة إلى الواحد القهّار ، والايمان بجميع هذه المعارف ايمانا يقينيّا شهوديّا .
فمن آمن بهذه المعارف ايمانا بالغيب مع إصلاح الجزء العملي من القلب فقد سعد ونجى من العذاب ، ومن عرفها عرفانا شهوديا راسخا فقد فاز فوزا عظيما وكاد أن يكون من المقرّبين مشاهدا لما هو الخير المطلق والحسن المطلق والجمال المطلق الحق منخرطا نوره في سلك نوره .
وأما إيفاء اللّه عهد العبد فهو إفاضة أنوار الرحمة عليه في كل مرتبة من مراتب عبوديّته ، وبحسب كل مقام من مقامات سلوكه إلى اللّه ، حتّى إذا قطع المنازل
و