فصل قوله [ تعالى ] : أُوفِ بِعَهْدِكُمْ
المراد من هذا العهد عند المعتزلة هو ما دلّ عليه العقل من أنّ اللّه يجب عليه إيصال الصواب إلى المطيع ، فصحّ وصف ذلك الوجوب بالعهد ، لأنّه بحيث يجب الوفاء به .
وأمّا عند الأشاعرة فحيث لا وجوب ولا إيجاب عندهم على اللّه ، فإمّا أن يكون إطلاقه عليه تعالى تجوّزا ، من باب صنعة المشاكلة ، مقولة
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
[ 4 / 142 ] و
مَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
[ 3 / 54 ] وذلك لأن معناه الأمر بمعنى المأمور به ، والموصوف به هو العبد ، دون اللّه . أو يقال : إنّه لمّا وعد بالثواب - والكذب على اللّه محال - فكلّ ما وعد به استحال أن لا يوجد ، لأنّه لو لم يوجد لانقلب خبره الصدق كذبا والمفضي إلى المحال محال . فايفاء ذلك العهد - أي :
مدلول ذلك الخبر - واجب الوقوع . وذلك آكد ممّا ثبت باليمين أو النذر . - هذا تلخيص ما ذكره الإمام الرازي في تفسيره « 1 » .
أقول : فيه بحث لأنّ نسبة الوجوب إليه تعالى إمّا سبيل « عليه » أو على سبيل « عنه » . فالأوّل مذهب المعتزلة ، والثاني مذهب الحكماء . وشيء منهما لا يقول به الأشاعرة . فقولهم : « لما أخبر تعالى بالثواب فيجب وقوعه » ما معنى هذا الوجوب ؟ إن كان أحد المعنيين المذكورين ، فلا يصحّ إطلاقه عندهم على فعله تعالى ، وإن كان معناه أمرا ثالثا غير ذينك المعنيين ، فما لم يبيّن لا يمكن إثباته ولا نفيه ، فالآية حجّة عليهم .
والحقّ في تفسيره أن يقال : لما تقرّر وسبقت إليه الإشارة : إنّ المراد من
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي : 1 / 488 .