تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
المؤذيات والمولمات ، فإنّما هو من مظاهر رحمته وجوده ، ومن منازل عنايته وحكمته والتضادّ الحاصل بينها إنّما يقع من لحوق الأعدام والنقائص بها التي منشأها البعد عن مقامات الإلهيّة . فما يتعذّب متعذّب ، أو يتضرّر متضرّر من شيء مؤلم مضرّ إلا بواسطة تضادّ بين المتألّم وما يؤلمه ، والمتضرّر وما يتضرّر به ، ومنشأ التضادّ بين الشيئين - كما علمت - فقد وجود أحدهما لما في وجود الآخر وقصوره عن رتبة الجمعيّة بينهما . أو لا ترى إنّ كثيرا من الهيئات والكيفيّات المتضادّة والقوى المتخالفة قد اجتمعت في الحقيقة الإنسانيّة بواسطة القوّة الجمعيّة التي فاضت على الإنسان من عالم الأمر ؟ فالنار والماء والأرض والهواء مع كونها أمورا متضادّة إلا إنّها قد اجتمعت في المركّب بواسطة الوحدة الاعتداليّة التابعة للصورة الوحدانيّة الحافظة للمزاج ، وكلّما كانت الصورة أقوى جوهرا وأقرب منزلة إلى عالم الأمر الواحد ، فهي أوسع جمعيّة للمتضادّات إلى أن ينتهي إلى العقل البسيط ، المدرك بذاته للأشياء التفصيليّة إدراكا حضوريا ، وشهودا نوريّا ، وإحاطة جمعيّة شموليّه . وهذا ما قاله بعض الحكماء : « إنّ العقل كلّ الموجودات » فالإنسان ما لم يصل إلى مقام العقل يجوز في حقّه أن يتعذّب ببعض أنوار القهاريّة وسطوات الإلهيّة ، ومن لم يعرف هذه المعاني صار يتعجّب من معنى عذاب القرب وخوفه ، مع إنّ الحقّ تعالى محض الرحمة . وأمّا العلماء الراسخون فإنّهم يخشون اللّه - دون عقابه - ولا يخشون شيئا آخر ، ولهذا قال تعالى :
وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
دلالة على الحصر ، وإنّ المرء يحب أن لا يخاف أحدا إلا اللّه ، فكلّ خوف يرجع إلى خوف جلاله . وإذا ثبت هذا في الرهبة والخوف ثبت في الرغبة والرجاء ، فيجب أن لا يرجو أحدا إلّا [ اللّه ] ، لأنّ كلّ محبّة ورجاء يرجع إلى حبّ اللّه ورجاءه ، إذا كان المنظور إليه في كلّ شيء كونه أثرا من آثار قدرته ، ولمعة من لمعات نور جماله .