تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
المراحل الحسيّة والخياليّة والعقليّة وبلغ حدّ الأقصى فاض عليه من نور جماله الأزلي وصيّره من المحبوبين بعد ما كان من المحبّين ، وجعله من الواصلين إلى العين ، بعد ما كان من السامعين للأثر ، فصار علمه عينا وإيمانه عيانا وقرائته قرآنا وكلامه متكلّما .

فصل قوله : وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ

معنى « الرهبة » هو الخوف والخشية ، وهي حالة تحدث في القلب من قبيل الخواطر ، وكذا الرجاء . والمقدور للعبد مقدماتهما . والخوف عند العلماء [ ] على ظن مكروه تناله ، والخشية نحوه لكن الخشية تقتضي ضربا من الاستعظام والمهابة . وضد الخوف الجرأة ، لكن قد يقابل بالأمن ، فيقال : « خائف وآمن » « خوف وأمن » لأنّ الأمن يوجب الجرأة على اللّه فبالحقيقة الجرأة تضادّه . قال المتكلّمون : الخوف منه تعالى هو الخوف [ من عقابه ] وأمّا أهل المعرفة : فالخوف عندهم كما يكون من العقاب يكون من القرب ، قل اللّه تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ 35 / 28 ] . والحقّ إنّ العذاب الآخرة إنّما يصل إلى الكفّار وأهل النار بواسطة إنّهم صاروا في الدنيا معبدون عن مقام القرب ، فإذا بطلت هذه الحياة الدنيا وانكشف الغطاء وبعثوا إلى الآخرة ، وجاء الحقّ للحساب والميزان لم يتحمّلوا سطوة القهّارية فيتعذّبون بسطوع شمس الآخرة على رؤوسهم ، ويعاقبون بنار الجحيم ، وتذوب بها أبدانهم وجلودهم . بل كلّ عذاب وألم - سواء كان في الدنيا أو في الآخرة - إنّما يرجع إلى عذاب القرب لمن لم يكن مستعدّا له ، لأنّ جميع ما يعدّ عند الناس من جملة