تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
أذكركم بالاستغراق في المشاهدة . وذكر الروح بالتفريد والمحبّة : فاذكروني بالتفريد والمحبّة . أذكركم بالتوحيد والقربة ، وذكر السرّ ببذل الوجود والفناء : اذكروني ببذل الوجود والفناء أذكركم بنيل الشهود والبقاء . وهذا حقيقة قوله تعالى في الحديث الرباني « 1 » : « وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي » وهذا هو الذكر الحقيقي أن يجعل الذاكر مذكورا ، والمذكور ذاكرا . بل يكون الذكر والذاكر والمذكور واحدا ، كما قال سبحانه :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[ 40 / 16 ] كما قال قائلهم :
رقّ الزجاج ورقّت الخمر * فتشابها وتشاكل الأمر
فكأنّه خمر ولا قدح * وكأنها قدح ولا خمر
وهذا الدعوى - أي فناء العبد عن نفسه وبقائه بنور الحقّ على ما هو مشهود العارفين بالعيان - ممّا أقيم عليه البرهان ، وهو معلوم من علم النفس وكيفيّة تطوّاراتها في الأطوار واتّحادها في مدارج الاستكمال بالعقل الفعّال ، كما هو مذهب كثير من الحكماء الأقدمين منهم فرفوريوس ، مثاله حال الفراش مع الشمع واشتعاله بشعلة الشمع ، فلمّا بذل الفراش للشمع وجوده نال من وجود الشمع مقصوده ، كما قيل :
أنا من أهوى ومن أهوي أنا * نحن روحان حللنا
- إلى آخره - ومثال آخر : الحديدة الحامية بالنار ، حيث إنّها لا يزال تتقرب وتتشبه بالنار حتى تزول عنها الهوّية الحديدية ، وتصير فانية في هوية الناريّة ، وتفعل فعلها من الإحراق والإضاءة . فلا تتعجّب من النفس إذا استشرقت بنور اللّه واتّصلت بعالم الربوبيّة وتخلّقت بأخلاق اللّه ، ففعلت ما فعلت بقدرة اللّه - لا بقدرتها - وسمعت بسمع اللّه ، وبصرت
هامش
( 1 ) المحاسن للبرقي ( 1 / 39 ) : « اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي » .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 190 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )