وتلك الحجب كانت كلّها موجودة في الأمم السابقة غير مرفوعة عنهم ، وهي موجودة في هذه الامّة متفرّقة ، وبها افترقت إلى ثلاث وسبعين ، كما
أخبر عنه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بقوله « 1 » : « ستفترق امّتي - الحديث » ،
ولم يصل السالك إلى حجاب من تلك الحجب ، إلّا وظنّ إنّه قد وصل .
وإليها الإشارة بقول إبراهيم الخليل ، وهو فاتح باب التوحيد وشيخ الموحّدين وأبو العارفين - على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام - فعبّر عن نور الحسّ بالكوكب ، وعن نور الخيال بالقمر ، وعن نور العقل [ بالشمس ] ، ثمّ عبر عنها وجاوزها جميعا قائلا :
وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ 6 / 79 ] وأشار إلى خواصّ هذه الامّة في دعائه بقوله :
وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
[ 2 / 128 ] .
وبالجملة - كان هذا النور الأحمدي في أصلاب عقائد العقول المتقدّمة وأرحام استعدادات النفوس الماضية منتقلا من طور إلى طور ، ومن حالة إلى حالة مبشّرين ومنذرين به ، حتى استقرّ إلى غايته وبلغ نهايته ، ووصل إلى المبدإ الذي فارقه واتّصل به آخر القوس الصعودية من دائرة الوجود إلى مبدأ القوس النزوليّة منها ، فكان قاب قوسين أو أدنى « 2 » .
فهذا هو معنى العهد الذي أخذ اللّه الميثاق به على الأنبياء عليهم السلام ، وقد أثبت على
هامش
( 1 ) راجع بحار الأنوار : كتاب الفتن والمحن ، الباب الأول : 28 / 4 .
( 2 ) يعنى أن الوجود كله بواسطة سريان هذا النور من أعلى المراتب إلى أدناها ، ومن أدناها إلى أعلاها صار كمقدار قوسين ، وهما نصفا دائرة ، فكان الوجود كدائرة ، بل كنقطة دائرة . لأن النقطة الراسمة لها هي كل الدائرة ، فما من نقطة من نقاطها المعقولة ، أو الموهومة ، أو المحسوسة ، إلّا وهو عين تلك الفاعلة - فافهم واغتنم - منه عفى عنه ( من حاشية نسخة الأصل ) .