تذكّر أحوال النعم ، بل كان المهمّ فيهم تذكّر أحوال المنعم وكيفيّة صفات جماله وجلاله ، وآيات ملكوته وجبروته ، وقد قال بعض العارفين : « عبيد النعم كثيرة ، وعبيد المنعم قليلون » .
فانظر إلى التفاوت بينهم وبين هذه الامّة المرحومة ، حيث قال لهم :
اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ
وقال لهذه الأمّة بقوله :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ
[ 2 / 152 ] ولم يقل : « فاذكروا نعمتي » أو « اشكروا نعمتي » أو « لا تكفروا نعمتي » .
وفيه أيضا إشارة إلى أن ذكره خواصّ هذه الامّة للّه من نتائج خواصّ ذكر اللّه إيّاهم في الأزل بوجهين : أحدهما إنّ ذكره عبارة عن عمله ، وعلمه بالعبد متقدّم على إيجاده المتقدم على ذكره للّه . وثانيهما إنّه سبحانه أمرهم بالذكر مع « فاء التعقيب » فقوله :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
فيه تقديم وتأخير معناه « أذكركم فاذكروني » وهذا كقوله :
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ
[ 5 / 119 ] فإنّ رضاؤهم عنه تعالى نتيجة رضاه عنهم ، وكقوله :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ 5 / 54 ] .
[ الذكر ومراتبه وخواصّه ]
واعلم أيّها الحبيب - إنّ للذكر مراتب . وللذكر أيضا مراتب ، ونتيجة كلّ ذكر بما يوازيه ويناسبه في الفضل والثواب ، ذكر اللسان ، وذكر الأركان ، وذكر النفس ، وذكر القلب ، وذكر الروح ، وذكر السرّ .
فذكر اللسان الإقرار : فاذكروني أذكركم بالأمان . وذكر الأركان باستعمال الطاعات : فاذكروني بالطاعات ، أذكركم بالكرامات . وذكر النفس بالاستسلام للأوامر والنواهي : فاذكروني بالاستسلام ، أذكركم بنور الإسلام ، وذكر القلب بتبديل الأخلاق الذميمة وتحصيل الملكات الكريمة : فاذكروني بالأحوال والمقامات