والتجريد ، وأهل الروح والعقل باتّباع الهوى والشهوة والطبيعة ، قطّعت لهم بتقطيع خياط القضاء ثياب من نار القدر على قدر نفوسهم المحترقة بنار الهوى وكبريت الشهوة وحطب الطبيعة ، وهي ثياب أخلاق ذميمة نسجت من سدي مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبيعة . ويصبّ من فوق رؤسهم - أي من مبدأ الإفاضة عليهم - حميم الشهوات النفسانية لسوء قابليتهم لماء الإفاضة فيصير حميما في حقّهم - على ما قيل :
ومن يك ذا فم مرّ مريض * يجد مرّا به الماء الزلالا
فيذاب به ما في بطونهم وقلوبهم ، ويخرج ما في نفوسهم من الملكات والأخلاق من القوّة إلى الفعل يوم تبلى السرائر ، فيصير مصوّرة بصور مؤلمة معذّبة للروح ، ولهم مقامع من حديد قلوبهم ، وهي الملكات الذميمة الراسخة ، كلّما أرادوا أن يخرجوا من دار الجحيم وسعير الهوى ونار الهاوية من غمّ ما هم فيه أعيدوا فيهم بمقامع تلك الأخلاق لغلبة الجهل واستيلاء الحرص عليهم ، وقيل لهم : « ذو [ قو ] ا عذاب ما أحرقت منكم نار الشهوات ، وأذابت سموم الأخلاق المهلكات من محاسن الاستعدادات » كما
قال صلّى اللّه عليه وآله « 1 » : « الحسد يأكل الحسنات كما يأكل النار الحطب » .
ومما يدلّ على أنّ نعمة اللّه شاملة للكفار آيات كثيرة في هذا الباب ، كقوله تعالى :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
الآية [ 2 / 28 ] وقوله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً
[ 2 / 22 ] وقوله :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ
وهذا نصّ صريح في أن اللّه تعالى أنعم على الكفار ، لأنّ المخاطب بذلك هم كفرة أهل الكتاب .
وقوله :
قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
هامش
( 1 ) الجامع الصغير : 1 / 151 .