تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
فقد ثبت انّ جميع ما في العالم من المخلوقات فهو نعمة في حقّ الإنسان وقد مرّ إنّها كلّها خيرات بالقصد ، شرور بالتبع . * * * هذا على ما هو مذهب أهل الحق ، وأما على مذهب أهل السنّة فيجوز من اللّه خلق الشرور وإيلام البري من غير أن يكون القصد فيه إلى إصلاح حالهم أو مآلهم ثمّ اختلفوا « 1 » في أنّه هل للّه تعالى نعمة على الكافر في الدنيا ، أم لا ؟ فمنهم من قال : هذه النعم في الدنيا لمّا كانت مؤدّية إلى الضرر الدائم في الآخرة لم يكن تلك نعمة ، فإنّ من جعل السمّ في الحلواء لم يعدّ النفع الحاصل من أكل الحلواء نعمة ، لمّا كان وسيلة إلى الضرر العظيم . ولهذا قال تعالى :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً
[ 3 / 178 ] . ومنهم من قال : إنّه تعالى وإن لم ينعم على الكافر بنعمة الدين ، لكن أنعم عليه في الدنيا - وهو قول الباقلاني - وهذا أقرب إلى الصواب . * * * لكن الإشكال المذكور في مثال الحلواء المسموم باق ، لا يمكن حلّه بقوّة فكر المتكلّم وصنعة وتلفيقه للكلام ، وإنّما ينحلّ وينكشف بقوّة نور البصيرة الكاشفة لأسرار حكمة اللّه في خلق الكفّار وتنعيمهم مدّة لعمارة هذه الدار وتعذيبهم في دار القرار ، فهذا التنعيم بعينه إمّا عين ذلك التعذيب ، أو منجرّ إليه . قال تعالى :
فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ [ وَالْجُلُودُ ] * وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها
وقيل لهم :
ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
[ 22 / 19 - 22 ] . أي الذين انقطعوا عن اللّه وعالم ملكوته ، وأعرضوا عن أصحاب القدس
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي : 1 / 481 .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 186 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )