خير ، أو ما يؤدي إلى الخير ، بل يمكن أن يقال : إنّ جميع ما في العالم - ممّا لا حدّ له ولا إحصاء - هي نعمة من اللّه في حقّ الإنسان ، إذ ما من شيء إلّا وله الانتفاع بها .
أمّا التي أودعها فينا من المنافع واللذات والجوارح والآلات فظاهر انتفاعنا بها ، لأنّا نستعملها في جرّ المنافع ودفع المضارّ الدنيويّة والاخرويّة .
وأمّا التي خلقها اللّه تعالى خارجة عنا فهي أيضا إمّا نستلذّ بوجودها ، أو ننتفع لمعرفتها والاستدلال على وجود الصانع وحكمة وجوده ولطفه ، فهي كلّها منافع منتفع بها إمّا حالا أو مآلا ، فإنّها وسائل إلى المعرفة والحكمة ، وهي إمّا نفس السعادة واللذّة الدائمة أو وسيلة إليهما فصحّ انّ جميع مخلوقات اللّه نعم على العبد ، وهي غير متناهية لا يمكن عدّها ولذا قال تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
[ 14 / 34 ] .
فإن قلت : إذا كانت النعم غير متناهية فكيف يمكن الانتفاع بها ؟ وأيضا إذا كانت غير متناهية لم يكن علم العبد بها فكيف أمر اللّه إيّاه بتذكّرها في قوله :
اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ
؟
والجواب عن الأوّل إنّ المراد بالنعمة ما يمكن الانتفاع به - سواء انتفع به أحد ، أم لا - فكلّ واحد من الأمور المخلوقة ممّا يمكن الانتفاع به للعبد ، فيكون نعمة في حقه .
وأمّا عن الثاني انّ الأشخاص غير متناهية ، والطبائع النوعيّة متناهية ، ويمكن لنا العلم بالطبائع والعنوانات ، والحكم بها على وجه يسرى في أشخاصها الغير المتناهية مجملة ، كما في القضايا الكلّية ، مثل قولنا : « كلّ إنسان له قوّة الكتابة » ففي هذا الحكم تصوّرنا طبيعة العنوان - أي ماهيّة الإنسان - بالكنه ، وتصوّرنا أفراده كلّها بالوجه وحكمنا عليها بقوّة الكتابة . وهذا ضرب من العلم ، وهو يكفي للتذكّر الذي يفيد العلم بوجود الصانع وحكمته عن آثار صنعه وأنوار حكمته .