ونفعها بضرّها ، فمن وثق ببصيرته وكمال معرفته فله أن يعرف منها فسادها ويستخرج دوائها ، وإلّا فالفرار والفرار ، والبعد كل البعد عن مظانّ الأخطار ، فلا تعدل بالسلامة شيء في حقّ هؤلاء ، وهم الخلق كلّهم إلّا من عصمة اللّه تعالى وهداه لطريقه .
* * * فهذه مجامع نعم اللّه وأجناسها الكليّة ، ولكل منها أعداد لا تحصى وأسباب لا تناهي ، بل كلّ ما يوجد من اللّه تعالى في الدنيا فهي مما يصدق عليه بوجه من الوجوه إنّه نعمة ، لأنّه إمّا خير وإمّا وسيلة إلى الخير . والشرّ مما لا ذات له ، لأنّه إمّا عدم ذات أو عدم كمال لذات ، فالموت والكفر وا لجهل والفقر وأمثالها التي هي شرور بالذات أمور عدميّة ، وأمّا الظلم والجحود ، والقتل المحرّم والفسق والتكبّر والعناد والجهل المركّب وأمثالها ، فهي شرور بالعرض ، لأنّها مؤدّية إلى ما هو شرّ بالذات ، أعني عدم الحياة الأخروية ، أو عدم كمال تلك الحياة . ولهذا شرح وتفصيل يليق بموضع آخر غير هذا الموضع .
هداية [ لما ذا ينسب الخير إليه تعالى والشرّ إلينا ؟ ]
اعلم إنّ كلّ ما يصل إلينا في كلّ وقت ولحظة من آناء الليل والنهار من النفع أو دفع الضرّ ، فهو من اللّه تعالى على ما قال
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
[ 16 / 53 ] وأمّا الشرور والآفات فهي من أنفسنا ومن قصور قابليّاتنا وسوء استعداداتنا التي هي أيضا منتهيّة بوجه الخير إلى اللّه ، وبوجه الشر إلى الامكانات ولوازم الماهيّات الناشية 67 من قصور الوجودات ، فإن وجود المعلول لا ينفكّ عن نقص ، وإلّا لم يكن فرق بين المفيض والمفاض عليه .
فجميع ما في العالم - على التحقيق - إمّا نعمة ، أو متنعّم به نفع ، أو منتفع به