تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
كان الضلال عليه أغلب ، ما لم يهتد بنور اللّه تعالى إلى إدراك الأمور على ما هي عليها ثمّ تبيّن النقل على وفق ما ظهر له منها بالتأويل مرّة وبالتخصيص أخرى . فهذه نعم معينة على الآخرة لا سبيل إلى جحدها ، إلّا إنّ فيها فتنا ومخاوف ، فمثال المال مثال الحيّة التي فيها ترياق نافع وسمّ نافع : فإن أصابها المعزّم الذي يعرف وجه الاحتراز عن سمّها وطريق استخراج ترياقها النافع كانت نعمة ، وإن أصابها سوادي فهي عليه هلاك وبلاء . وهو مثل البحر الذي تحته أصناف الجواهر واللآلي فمن ظفر بالبحر ، فإن كان عالما بالسباحة وطريق الغوص وطريق الاحتراز عن مهلكات البحر فقد ظفر بنعمه ، وإن خاضه جاهل بذلك فقد هلك . ولذلك مدح اللّه المال وسمّاه خيرا « 1 » : ومدحه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقال « 2 » : « نعم العون على تقوى اللّه المال الطيب » وكذلك مدح الجاه والعزّ ، إذا منّ اللّه على رسوله صلّى اللّه عليه وآله أن أظهر على الدين كلّه ، وحبّبه في قلوب الخلق ، وهو المعنيّ بالجاه . ولكن المنقول في مدحهما قليل ، والمنقول في ذمّهما كثير ، حيث ذمّ الرياء وهو ذمّ الجاه . إذ الرياء المقصود فيه اجتلاب القلوب ، ومعنى الجاه ملك القلوب وإنّما كثر هذا وقلّ ذلك ، لأنّ الناس أكثرهم جهّال بطريق الرقية لحيّة المال وطريق الغوص في بحر الجاه ، فوجب تحذيرهم ، فإنّهم يهلكون بسمّ المال قبل الوصول إلى ترياقه . ويهلكم تمساح بحر الجاه قبل العثور على جواهره ، ولو كانا في أعيانهما مذمومين بالإضافة إلى كل أحد لما تصوّر أن ينضاف إلى النبوّة الملك - كما كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله - ولا أن ينضاف إليه الغنى - كما كان لسليمان عليه السّلام - والناس كلّهم صبيان والأموال حيّات ، والأنبياء والعارفون معزّمون وقد يضرّ الصبيّ ما لا يضرّ المعزّم . فإذن النعم الدنياوية كلّها مشوبة ، وقد امتزج داؤها بدوائها ، ومرجوّها بمخوفها
هامش
( 1 ) . 2 / 180 :إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ( 2 ) احياء علوم الدين : 4 / 106 .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 183 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )