تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
في الشهوات بوسخ القلب ، وغسله بماء الدموع 47 وحرقة الندم ينظّفه ويطهّره ويزكّيه وكلّ قلب زكيّ طاهر فهو مقبول ، كما إنّ كل ثوب نظيف فهو مقبول ، وإنّما عليك التزكية والتطهير ، فأمّا القبول فمبذول وقد سبق به القضاء الأزليّ الذي لا مردّ له وهو المسمّى فلاحا في قوله تعالى
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
[ 23 / 1 ] وقوله :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها
[ 91 / 9 ] . ومن لم يعرف على سبيل التحقيق معرفة أجلى وأقوى من المشاهدة بالبصر إنّ القلب يتأثّر بالمعاصي 48 والطاعات تأثيرا ( تأثّرا - ن ) متضادّا يستعار لأحدهما لفظ « الظلمة » - كما يستعار للجهل - ويستعار للآخر لفظ « النور » كما يستعار للعلم وإنّ بين النور والظلمة تضادّا ضروريّا لا يتصور الجمع بينهما فكأنّه لم يعرف 49 من الدين [ إلّا قشوره ، ولم يعلّق بقلبه ] إلا أسمائه ، وقلبه في غطاء كثيف عن حقيقة الدين ، بل عن حقيقة نفسه . ومن جهل بنفسه فهو بغيره أجهل . وأعنى به قلبه ، إذ بقلبه يعرف غير قلبه . فكيف يعرف غيره ، وهو لا يعرف قلبه ؟ فمن يتوهّم إنّ التوبة تصحّ ولا تقبل كمن يتوهّم إنّ الشمس تطلع والظلام لا يزول ، والثوب يغسل بالصابون والوسخ لا يزول - إلا أن يغوص الوسخ لطول [ تراكمه ] في تجاويف الثوب وخلله ، فلا يقوى الصابون على قلعه . فمثال ذلك أن تتراكم الذنوب حتّى تصير طبعا ورينا على القلب ، فمثل هذا القلب لا يرجع ولا يتوب ، نعم - قد يقول باللسان : « تبت » فيكون ذلك كقول القصّار : « قد غسلت الثوب » وذلك لا ينظّف الثوب أصلا ما لم يغيّر صفة الثوب باستعمال ما يضادّ الوصف المتمكّن منه . فهذا حال امتناع [ أصل ] التوبة ، وهو غير بعيد ، بل هو الغالب على كافّة الخلق ، المقبلين على الدنيا ، المعرضين عن اللّه بالكلّية . * * *