في نفسه ، فإنّ ذلك محال ، بل العلم والندم والفعل والإرادة والقدرة والقادر كلّها من خلق اللّه وفعله
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
[ 37 / 96 ] هذا هو الحقّ عند ذوي البصائر ، وما سوى هذا ضلال ووبال .
وقد مرّ مرارا تحقيق نسبة الأفعال إلى اللّه ، وإنّ الكلّ بقضائه وقدره ، لا بالمعنى الذي ذهب إليه الأشاعرة . ولا بالمعنى الذي زعمه المعتزلة 46 ولا الذي اشتهر من الحكماء . بل بالمعنى الذي هو محجوب إلّا على قوم شرح اللّه صدورهم وباشر قلوبهم نور الحقّ .
* * * فإذا تقررت هذه المقدّمات فنقول : كلّ توبة إذا استجمعت شرائطها فهي مقبولة لا محالة .
اعلم « 1 » إنّك إذا فهمت معنى القبول لم تشكّ في أنّ كلّ توبة صحيحة فهي مقبولة ، فالناظرون بنور البصائر ، المستمدّون من نور القرآن علموا إنّ كلّ قلب سليم مقبول عند اللّه ، ومتنعّم في دار الآخرة في جوار اللّه ، ومستعدّ لأن ينظر بعينه الباقية إلى وجه اللّه . علموا إنّ القلب الإنسانيّ خلق في أصل الفطرة سليما ، فكلّ مولود يولد على الفطرة وإنّما يفوته الإسلام بكدورة ترهق وجهه من غبرة الذنوب وظلمتها ، وعلموا إنّ نار الندم تحرق تلك الغبرة ، وإن نور الحسنة يمحو عن وجه القلب ظلمة السيّئة ، وإنّه لا طاقة لظلام المعاصي مع نور الحسنات ، كما لا طاقة لظلام الليل مع نور النهار . بل كما لا طاقة لكدورة الوسخ مع بياض الصابون .
فكما إنّ الثوب الوسخ لا يقبله الملك لأن يكون لباسه ، فكذلك القلب المظلم لا يقبله اللّه تعالى لأن يكون في جواره ، وكما إنّ استعمال الثوب في الأعمال الخسيسة يوسّخ الثوب ، وغسله بالصابون والماء الجاري ينظّفه لا محالة فكذلك استعمال القلب
هامش
( 1 ) احياء علوم الدين : 4 / 13 .