للماضي ، ثلاثة معان مترتبّة في الحصول ، يطلق اسم التوبة على مجموعها ، وكثيرا ما يطلق على معنى الندم وحده ، ويجعل العلم كالسابق والمقدّمة ، والترك كالثمرة والتابع . . . فيكون الندم محفوفا بطرفيه ، مثمرة بثمرته . فهذا معنى التوبة .
وأمّا اثبات وجوبها على الفور : فاعلم إن وجوب التوبة كما إنّه ظاهر بالآيات والأخبار ، فهو واضح بنور البصيرة عند من انفتحت بصيرته ، وشرح صدره بنور الايمان ، حتى اقتدر أن يسعى بنوره الذي بين يديه في ظلمات الجهل ، مستغنيا عن قائد يقوده في كل خطوة . فالسالك إمّا أعمى لا يستغني عن القائد في خطوة ، وإمّا بصير يهدي إلى أوّل الطريق ، ثمّ يهتدي بنفسه ، وكذلك الناس في طريق الدين ينقسمون هذا الانقسام .
فمن قاصر لا يقدر على مجاوزة التقليد في خطوة ، فيفتقر إلى أن يسمع في كلّ قدم نصّا من كتاب اللّه ، أو سنّة نبيّه ، وربما يعوزه ذلك فيتحيّر ، فسير هذا - وإن طال عمره وعظم جدّه - مختصر ، وخطاه قاصرة .
ومن سعيد شرح اللّه صدره للإسلام فهو على نور من ربّه ، يتنبّه بأدنى إشارة لسلوك طريق معوصة ، وعقبات متعبة ، فيشرق في قلبه نور القرآن ونور الايمان ، وهو لشدّة نور باطنة يجتزئ بأدنى بيان ، وكأنّه يكاد زيته يضيء ولو لم تمسسه نار فإذا مسّته نار فهو
نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ
فهذا لا يحتاج إلى نصّ منقول في كلّ واقعة .
فمن هذا حاله إذا أراد أن يعرف وجوب التوبة فينظر أوّلا بنور البصيرة إلى التوبة ما هي ؟ ثمّ إلى الوجوب ما معناه ؟ ثمّ يجمع بينهما ، فلا يشكّ في ثبوته لها .
وذلك بأن يعلم أنّ معنى الواجب ما هو واجب في طريق الوصول إلى سعادة الأبد والنجاة من هلاك السرمد . . . ومعنى قول القائل 41 « صار واجبا بالإيجاب حديث محض » فإنّ ما لا غرض لنا عاجلا وآجلا في فعله وتركه فلا معنى لاشتغالنا به ، أوجبه