تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
ولنذكر نقاوة ما ذكره المحقّقون من علماء الإسلام وحكماء هذه الشريعة التي أتانا بها سيّد الأنام - عليه وآله السلام والتحيّة والإكرام - في معناها ، وهو : إنّ التوبة لا يحصل إلّا بأمور ثلاثة : أوّلها معرفة ضرر الذنوب ، وكونها حجابا بين العبد ومحبوبه ، وسموما قاتلة لمن يباشرها . فإذا عرف ذلك وتيقّنه حصل له من ذلك حالة ثانية هي التألّم لفوات المحبوب والتأسّف من فعل الذنوب . وهذا التألّم والتأسّف هو المعبّر عنه بالندم . وإذا غلب هذا التألّم حصل حالة ثانية هي القصد إلى أمور ثلاثة : أوّلها تعلّق بالحال والاستقبال والمضيّ . فالمتعلّق بالحال هو ترك ما هو مقيم عليه من الذنوب . والمتعلّق بالاستقبال هو العزم على عدم العود إليها إلى آخر العمر . والمتعلّق بالماضي تلافي ما يمكن تلافيه من قضاء الفوات والخروج من المظالم ، فهذه الثلاثة - أعني المعرفة ، والندم ، والقصد إلى المذكورات - أمور مترتبة في الحصول ، وقد يطلق على مجموعها اسم التوبة . وكثيرا ما يطلق على الثاني - أعني الندم - وحده ، وقد يطلق على مجموع الأخيرين : الندم والعزم . قال صاحب إحياء العلوم « 1 » : اعلم إن التوبة معنى منتظم من ثلاثة أمور مترتّبة : علم وحال وفعل . . . أمّا العلم - وهو مطلع هذه الخيرات ، وأعني به الايمان واليقين . . . بأنّ الذنوب سموم مهلكة . . . فيثمر نور هذا الايمان متى أشرق على القلب نار الندم ، فيتألّم القلب به حيث يبصر بإشراق نور الايمان إنّه صار محجوبا عن محبوبه ، كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فسطع النور بانقشاع سحاب أو انصراف حجاب ، فرأى محبوبه قد أشرف على الهلاك ، فتشتعل نيران الحبّ في قلبه ، فتنبعث بتلك النيران ارادته للانتهاض للتدارك . فالعلم والندم والقصد المتعلّق [ بالترك ] في الحال والاستقبال ، والتلافي
هامش
( 1 ) احياء علوم الدين : كتاب التوبة ، الركن الأول : 4 / 3 .