تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
عند اللّه . وبأنّ السامع لأمر التكوين وقول « كن » يسمع الخطاب بسمع ذاتي عقلي قبل هذا السمع الظاهري .

إشارة مشرقيّة

قد مرّ انّ للإنسان نشآت ثلاث بحسب البداية النزولية ، وكذلك بحسب النهاية الصعودية للكمل . وله هبوطان وصعودان . وهذه النشأة الدنيوية آخر منازل الهبوط وأوّل منازل الصعود وهي دار التضادّ والتفاسد ، وعالم التغالب والتعادي ، لضيق عرصتها الوجوديّة ، وانحصار لذاتها الكونيّة ، وقصور خيراتها من أن يسع للجميع فلذلك ينبعث فيها حبّ التغالب المؤدّي إلى العداوة . فقوله :
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
إشارة إلى ما هو من خواصّ هذه النشأة التي هي مهبط آدم وأولاده . ولهذا احتاج كلّ من في هذا العالم إلى قوّة غضبيّة يذبّ بها عن نفسه الآفة والشرّ ، وإلى قوّة شهويّة يجلب بها إلى نفسه النفع والخير والحكمة في وجود هاتين القوّتين في الحيوان عموما وفي الإنسان خصوصا هو ما سبق ذكره . وفيه أيضا إشارة إلى وجوب وجود خليفة من اللّه في الأرض في حفظ هذا النوع الإنساني ، وعدم جواز أن يترك الناس وآراؤهم ، إذ لا بدّ لهم من الشركة في الماء والطين - كما لا يخفى - ولا يتمّ المشاركة إلّا بالمعاملة ، ولا المعاملة - وهي مثار الخصومات ومنبت العداوات - إلّا بسنّة وعدل . فإن لم يكن سنّة سان ، وعدل معدّل منصوب من قبل اللّه ، مخصوص بمعجزات وكرامات يدلّ على صدقه حتّى يسمع دعوته ، وينقاد حكمه ، ويتّبع قوله ورأيه ، لأدّت العداوات والخصومات إلى الفساد وسفك الدماء ، والهرج والمرج . وقيل : يعني بقوله :
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ
آدم وذريّته ، وإبليس وذريّته ، ولم يكن من آدم إليه ما يوجب عداوته إيّاه ، ولكن حسده الملعون وخالفه ، فنشأت
تفسير القرآن الكريم — صفحة 126 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )