تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
لم يثبت بقاطع . وقد دلّت الدلائل على وجوب عصمتهم . وأمّا وقوعها عنهم سهوا أو نسيانا فهو موضع اجتهاد . فإن قيل : ما بال زلّات الأنبياء عليهم السلام قد حكيت حيث يقرأ بأعلى الصوت على وجه الزمان ، مع انّ اللّه غفّار ستّار قد أمر بالستر على من ارتكب ذنبا ؟ قلنا : ليدل على صدق الأنبياء عليهم السلام ، وكون ما يتلقّون بأمر من اللّه ، من غير إخفاء لشيء ، وليكون امتحانا للأمم كيف بأنبيائهم بعد الاطّلاع على زلّاتهم . وليعلموا انّ الأنبياء عليهم السلام مع جلالة أقدارهم وكثرة طاعاتهم كيف التجأوا إلى التضرّع والاستغفار في أدنى زلّة وأقلّ تقصير .

فصل قوله [ تعالى ] : اهبطوا

اختلفوا في أنّ هذا الأمر هل هو أمر تعبّد أو إباحة ؟ والأشبه عند قوم انّه أمر تكليف ، لأنّ فيه مشقّة شديدة ، لأنّ مفارقه ما كانا فيه من الجنّة إلى موضع لا يحصل المعيشة فيه إلّا بالمشقّة والكدّ من أشقّ التكاليف . وإذا ثبت هذا فبطل ما يظنّ انّ ذلك كان عقوبة ، لأنّ التشديد في التكليف لا يكون إلّا لأجل الثواب ، فكيف يكون عقابا مع ما يترتّب عليه من النفع العظيم والثواب الجزيل . وعند قوم من أهل المعرفة انّ أمر « اهبطوا » أمر تكوين لهما ولذريّتهما ، وذلك لأنّ الهبوط إلى الدنيا أو الأرض من الجنّة أو السماء ليس واقعا تحت الاختيار ، وكلّ ما ليس للعبد فيه اختيار فلا معنى للتكليف به . وأيضا قوله :
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
حكم يعمّ الناس كلّهم ، معناه ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض . والقول بأنّ « الذريّة ما كانوا موجودين في ذلك الوقت فكيف تناولهم الخطاب ؟ » ساقط عند العارف بخطاب اللّه ، وبأنّ الأزمنة كلّها في حكم زمان واحد
تفسير القرآن الكريم — صفحة 125 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )