وثالثها ما يشعر به قوله تعالى :
وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
[ 38 / 35 ] من الحسد ، وعدم إرادة الخير للغير .
والجواب : إنّ ذلك لم يكن حسدا ، بل طلبا للمعجزة على وفق ما غلب في زمانه ولاق بحاله ، فإنّهم كانوا يفتخرون بالملك والجاه ، وهو كان ماشيا في بيت الملك والنبوّة ووارثا لهما ، أو إظهارا لإمكان طاعة اللّه وعبادته مع هذا الملك العظيم .
وقيل : أراد ملكا لا يورث منه ، وهو ملك الدين - لا الدنيا - أو ملكا لا أسلبه ولا يقوم فيه غيري مقامي ، كما وقع ذلك مرّة . وقيل : ملكا خفيّا لا ينبغي للناس وهي القناعة . وقيل : كان ملكا عظيما ، فخاف أن لا يقوم غيره بشكره ولا يحافظ فيه على حدود اللّه .
وأمّا الشبهة في قصة يونس عليه السّلام هما يشعر به قوله تعالى :
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
[ 21 / 87 ] رزقه فلا يوجب شكّا في قدرته لأنّ المراد : ذهب مغاضبا لقومه ، فظنّ - أي : استيقن - أن لن نقدر عليه - أن لن نضيق رزقه . ومنه قوله تعالى
فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ
[ 89 / 16 ] أي : ضيق وقتر .
ومعنى الظلم في قوله :
إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
ترك الأفضل . وهو مثل هذه العبارة التي فرغ لها في بطن الحوت . هذا هو المرويّ عن الرضا عليّ بن موسى عليهما السلام في الجواب عن سؤال مأمون في هذا الموضع « 1 » .
وأما في حقّ نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله وآله فمثل :
اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ
[ 40 / 55 ] و
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ
[ 9 / 117 ] و
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
[ 48 / 2 ] فمحمول على ترك الأفضل .
قال الرضا عليه السّلام « 2 » في جواب مأمون عن قوله
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
هامش
( 1 ، 2 ) عيون أخبار الرضا ( ع ) : الباب 15 : 1 / 201 .