تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
ويلزم جزم الذهن بإسناد أحدهما إلى الآخر بالنفي أو الإثبات ، أو لا يلزم ؛ فإن لم يلزم لم تكن القضيّة بديهيّة ، وإن لزم كان التصديق واجب الحصول عندهما وممتنع الحصول عند عدمهما ، وما يكون واجب الدوران نفيا واثباتا مع أمر غير مقدور نفيا واثباتا وجب أن لا يكون مقدورا ؛ فثبت أن التصديقات البديهية غير مقدورة . وأمّا الثّالث فالبيان جار فيه بمثل ما مرّ فوجب أن لا يكون شيء من العلوم مكسوبا للعبد ؛ فهذه شبهة ذكرها العلامة الرازي « 1 » في هذا المقام في أكثر كتبه . والجواب : أما عمّا ذكره في باب التصور فالتحقيق في باب كون الشيء معلوما من وجه هو إن وجه الشيء قد يؤخذ ويعتبر على وجه يصير عنوانا لموضوع القضيّة المتعارفة ، وقد يؤخذ ويعتبر الأعلى ذلك المنوال بل على أن يصير عنوانا للقضيّة الطبيعيّة ، ففي الأول يصير عنوان للأفراد ومرآة لملاحظة الجميع أو البعض ولهذا يسري الحكم إليها كما في قولك : « كلّ كاتب متحرّك الأصابع » « وبعض الكاتب كذا » وفي الثاني يصير الوجه متصوّرا ومرئيّا فقط ولا يصير مرآة لها : فقد تحقّق الفرق بين تصوّر الشيء بوجهه ، وبين تصوّر وجهه ، وفي كلا الاعتبارين وإن كان المتصوّر بالذات وبالحقيقة هو الوجه دون ذي الوجه ، إلّا إن في الأول يكون ذو الوجه متّحدا معه ، متصوّرا بتصوّره بالعرّض وعلى سبيل التبعيّة ، وذلك القدر يكفي لا توجّه النفس إلى تحصيله من غير لزوم أحد المحالين - لا تحصيل الحاصل ولا توجّه النفس نحو المجهول المطلق - فافهم إنشاء اللّه . وعمّا ذكره ثانيا : إن الإدراك التصديقي نحو ( نوع - ن ) آخر من الإدراك مبائن بالنوع المتصوّر - كما هو التحقيق - فلا يلزم من مجرّد حضور الطرفين في الذهن الإذعان بثبوت أحدهما للآخر ونفيه عنه ، وإن كان التصديق بديهيا ، والبداهة في التصديق لا تنافي التأخّر عن حضور الطرفين ، فربما احتاج إلى قصد من النفس أو التفات إلى إخطاره بالبال ، ثمّ لا يخفي على أحد إن الجمع بين التصوّرين وضمّ
هامش
( 1 ) هو أبو جعفر محمد بن محمد المعروف بقطب الدين الرازي صاحب شرح الشمسية وشرح المطالع .