بصحّة ما يستفاد من النظر ؛ وحكاية الإمام الرازي مع بعض الصوفيّة مشهورة « 1 » والنظم الذي صدر منه في أواخر عمره دالّ على ذلك هو قوله :
نهاية أقدام العقول عقال * وأكثر سعي العالمين ضلال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا * سوى أن جمعنا فيه قيل وقال
وثانيها : إن المطلوب إن كان مشعورا به استحال طلبه وتحصيل للحاصل ، وإن كان غير مشعور به فطلب المجهول المطلق محال .
والجواب إنه معلوم بوجه وهو منشأ الطلب ، ومجهول من وجه وهو الذي يؤدي إليه الطلب .
وثالثها إن العلم بكون النظر مفيدا للعلم إن كان ضروريّا وجب اشتراك العقلاء فيه بلا خلاف - وليس كذلك - وإن كان نظريّا يلزم إثبات جنس الشيء وماهيّته بفرد منه ، ومن أنكر الماهيّة أنكر كل فرد منها ، وذلك محال لاستلزامه إثبات الشيء من نفسه ؛ ويلزم اجتماع النفي والإثبات في شيء واحد أيضا لأنه من حيث إنّه وسيلة إليه معلوم ، ومن حيث إنّه مطلوب حاصل منه غير معلوم ، والتناقض محال .
والجواب عنه - بعد اختيار الشقّ الثاني - أنّا لا نسلّم لزوم ما ذكر . لان الدعوى إن النظر يفيد المطلوب ، وهذا حكم تصديقي وليس أمرا تصوريا حتى يكون جنسا أو غيره ، ولو سلّم فلا نسلّم إنّه ماهيّة ما فرض مصداقا له ، بل يجوز أن يكون خارجا لازما من لوازمه ، وإثبات اللوازم بإثبات بعض ملزوماتها غير مستنكر .
ورابعها : إن الآلة التي تستعملها النفس في الفكر والانتقال من المقدمات
هامش
( 1 ) قال المحدث القمي في الكنى والألقاب ( 3 / 10 ) قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في ارشاد الطالبين : وقد طلب الشيخ فخر الدين الرازي الطريق إلى اللّه تعالى ، فقال الشيخ نجم الدين الكبرى : « لا تطيق مفارقة صنمك الذي هو علمك » فقال : « يا سيدي لا بدّ إن شاء اللّه » فأدخله الشيخ الخلوة وسلبه جميع ما معه من العلوم ، فصاح في الخلوة بأعلى صوته :
« لا أستطيع » فأخرجه .