تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
كان وجودا - سواء كان وجودا عينيا أو وجودا ظليّا - فلا صورة مطابقة له ، لأنّ كل صورة ذهنيّة تقبل الاشتراك بين كثيرين وليست الهويات الوجوديّة كذلك ، فلا صورة لها في الذهن ، بل هي نفس الصور ، بل لها وجوه واعتبارات يدرك بها إدراكا ضعيفا وإدراكها التامّ لا يمكن إلّا بشهود نفسها ونيل هويّتها ، فكذلك حكم تعلّق التصوّر بنفس التصديق إذ هو حالة وجدانيّة وكيفيّة نفسانيّة لا يمكن استيفاء تصوّرها إلّا بوجه واعتبار غير حقيقتها - فتبصّر إنشاء اللّه . ولهاتين الشبهتين ونظائرهما جواب جدليّ ، وهو إن التمسّك بشيء منها في أنّ النظر غير مقدور فاسد ، لأنّ القائلين بها مختارون في استخراج تلك الشبه بالنظر فبطل قولهم « إنّها ليست اختياريّة » « وبأن النظر ليس اختياريا » .

المقام الثالث : إنّ النظر وإن فرض كونه مفيدا للعلم ومقدورا للعبد لكنّه يقبح من اللّه التكليف به وبيانه من وجوه :

الأول : إن النظر يفضى بصاحبه في أكثر الأمور إلى الجهل ، وما يفضى إلى القبيح فالإقدام عليه قبيح ، واللّه لا يأمر بالقبيح . والثاني : إن الواحد منّا - مع نقصه وضعف الخاطر وما يعتريه من الشبهات لا يجوز أن يعتمد على عقله في التمييز بين الحقّ والباطل بأنّا رأينا أرباب المذاهب والأقوياء لهم كلمات متناقضة ، وذلك يدل على عجز العقل عن ادراك هذه العقائد . الثالث : إن مدار الدين لو كان على النظر في الدلائل لوجب أن لا يستقر الإنسان ساعة على الدين ، لأنّه إذا خطر بباله سؤال في مقدمة من مقدّمات دليل الدين فيصير بسببه شاكّا في دينه ، فيلزم أن يخرج الإنسان في كلّ ساعة عن دينه بسبب ما يختلج بباله من الأسئلة والمباحثات . الرابع : إنّه اشتهر في الألسنة إن « من طلب المال بالكيمياء أفلس ، ومن طلب الدين بالكلام تزندق » وذلك يدلّ على أنّه لا يجوز فتح الباب فيه .