إلى النتائج إن كانت عقليّة كليّة فكيف تنتقل وتتحرّك من صورة إلى صورة - والحركة مختصّة بما هو كائن في الجسم كما اعترف به الفلاسفة - وإن كانت جزئية فكيف تدرك المعاني والحدود الوسطى والقضايا الكليّة لكبريات القياس ؟
والجواب : إن القوة الفكريّة في الإنسان ذو جهتين ، يدرك الكليات بوجهه الذي يلي العقل ، ويتحرّك في الصورة المخزونة في الخيال بوجهه الذي يلي المادّة .
قال أبو علي بن سينا في بعض رسائله « 1 » : « القوّة العقليّة إذا اشتاقت إلى شيء وهو الصورة المعقولة تضرّعت بالطبع إلى المبدإ الواهب ، فإن ساحت عليها على سبيل الحدس كفت المؤنة ، وإلّا فزعت إلى حركات من قوى أخرى من شأنها أن يعدّه لقبول الفيض لتأثر « 2 » ما مخصوص بالنفس ( في النفس - ن ) منها ، ومشاكلة بينها وبين شيء من الصور التي في عالم الفيض ؛ فيحصل لها بالاضطراب ما كان لا يحصل بالحدس » انتهى كلامه .
وخامسها : وهو قول من سلّم أن النظر في الجملة يفيد العلم لكن النظر في الإلهيّات لا يفيد واحتجّ بوجهين :
الأول : إن حقيقة الإله غير متصوّر فاستحال التصديق بثبوته أو ثبوت صفة من صفاته لأن التصديق بشيء يتوقف على تصوّر موضوعه .
والثاني إن أظهر الأشياء عندنا حقيقتنا التي نشير إليها ب « أنا » ثمّ الناس تحيّروا في ماهيّة هذا المشار إليه بقولي « أنا » فمنهم من يقول : « هو هذه البنية » ومنهم من يقول : « هو المزاج » ومنهم من يقول : « بعض الأجزاء الداخلية في البنية » ومنهم من يقول : « لا داخل البدن ولا خارجه » - فإذا كان الحال - في أظهر الأشياء كذلك فما ظنّك بأبعد الأشياء مناسبة عنّا وعن أحوالنا ، كالباري وصفاته ؟ ! والجواب عن الأول : إن ذاته تعالى وإن لم تكن متصوّرة ، بحسب الحقيقة
هامش
( 1 ) الكلام من رسالة المباحثات التي سيصدر محققا إن شاء اللّه .
( 2 ) المباحثات : لتأثير .