تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
وهذه الوجوه ممّا ذكرها الإمام الرازي « 1 » ولم يجب عنها إلّا بمثل ذلك الجواب الجدلي ؛ وأما الشبه التي تمسّكوا بها في أنّ التعويل على النظر قبيح فهي متناقضة يلزمهم أن يكون إيرادهم لهذه الشبه التي ذكروها قبيحا ، وأنت تعلم إنّ ما ذكره لا يدفع هذه الشبه ، إذ مبناها على أن اللّه لا يكلّف العبد بالقبيح لا أنّ العبد لا يفعل القبيح مطلقا . بل الصواب غير ما ذكره ، وهو أن يجاب أمّا عن الأولى فبأنّا لا نسلّم ما ذكره . بل صاحب النظر إذا تحرّى طريق الصواب وتحرّز عن الخطأ بصدق النيّة وصفاء الطويّة مع فطرة صافية يصير في أكثر الأمور فائزا بمقام الفضيلة والعلم ، متخلّصا عن رذيلة الحمق والجهالة . وأمّا عن الثاني فبأنّ أرباب المذاهب المتعارضة إن كان المراد منهم رؤسائها فما نقل عنهم الأتباع والمقلّدون ووقع بأيديهم ممّا لا اعتماد على ذلك فلعلّ المنقول عنه قد كان له وجه صحيح ولكن وقع التحريف عنه ، وإن كان المراد أتباعهم ومقلّديهم فالتعارض في أقوالهم لم يحصل من مجرد النظر ، بل لأمور أخر يطول شرحها . وأما عن الثالث فبأنّ الإنسان إذا كرّر النظر وردّد الفكر شطرا من الزمان في أصول الدين ودعائمه يحصل في القلب نور ينشرح به قلبه ، ثمّ بعد ذلك لا ينطفي ذلك النور بسبب القدح في شيء من المقدمات ، لأنّها بمنزلة معدّات للمطلوب ، لا إنّها علل موجبة ليجب وجودها معه . وأمّا عن الرابع : فبأنّ علم الكلام حسن تعلمه لأجل التمرّن والاعتياد لتدقيق النظر وتشحيذ الذهن ، واستعماله للاحتجاج على خصماء الدين وأعداء الشريعة ، وهو من الفروض الكفايات ، وأمّا النظر المؤدّي إلى الكشف واليقين فليس ذلك ممّا يتعلّق بعلم الكلام ، بل هو صنعة أخرى وليس من صنائع المتكلّمين في شيء ، وإنّما
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي : 1 / 311 .