وليس بمعنى « أدعو زيدا » أو « أنادي زيدا » - كما توهّم - لفساده من وجوه :
أحدها : إن ذلك خبر يحتمل الصدق والكذب ، وهذا لا يحتملهما لكونه إنشاء .
وثانيها : إن النداء يقتضي صيرورة « زيد » منادى في الحال ، وقولنا : « أنادي زيدا » لا يقتضي ذلك .
وثالثها : إن « يا زيد » يقتضى صيرورة « زيد » مخاطبا بهذا الخطاب ، و « أنادي زيدا » لا يقتضى ذلك ، لجواز أن يخبر إنسانا آخر بأنّي أنادي زيدا .
رابعها : إن « أنادي زيدا » إخبار عن النداء ، والإخبار عن النداء غير النداء كما لا يخفى .
نكتة هاهنا لأهل الإشارة :
وهي إن أقوى الكلمات مرتبة الاسم ، وأضعفها الحرف ، فظنّ قوم انه لا يأتلف الاسم بالحرف ، فكذا أعظم الموجودات هو الحقّ الأول وأضعفها البشر حيث قال :
وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
[ 4 / 28 ] فقالت الملائكة : أي مناسبة بينهما
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
[ 2 / 30 ] فقيل : قد يأتلف الاسم مع الحرف في حال النداء ، فكذا البشر يصلح لخدمة الربّ حال النداء والتضرع
وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
[ 40 / 60 ] .
واعلم إن « أيّ » اسم مبهم يقع على أجناس كثيرة ، لكنه لا بهامه لا يتمّ إلّا بأن يوصف ، كما إن المعنى الجنسي لا يتمّ إلّا بفصل من الفصول ، وصفته لفظة دالّة على ما دلّ عليه « أيّ » مخصّصة له ، اتّحادهما في المعنى كاتّحاد المبهم والمحصّل ، فلا بدّ وأن يردفه اسم جنس أو ما يجرى مجراه يتّصف به ، حتى يصير وصلة إلى ندائه ، فالذي يعمل فيه حرف النداء « أيّ » ، فهو منادى مفرد معرفة ، إلّا انه يبنى لأنه وقع موقع حرف الخطاب .
وإنما بني على الحركة - مع أن الأصل في البناء السكون - ليعلم إنّه ليس بعريق في البناء ، وإنما حرّك بالضمّ لأنه كان في أصله التنوين فلما سقط التنوين في