من الأطفال والمجانين لأن حالهم أنزل من حال الحيوان غير المكلّف .
ويؤيّد ذلك ما روى عن ابن عباس « 1 » والحسن : إن ما في القرآن من « يا أيّها الناس » فإنه نزل بمكّة ، وما فيه من « يا أيّها الذين آمنوا » فإنه ينزل بالمدينة .
وذلك لا يوجب تخصيص الخطاب بالكفار والجاهلين ، ولا أمرهم بالعبادة دون غيرهم ، فإنّ الأمر متوجّه إلى الكل ما داموا في دار التكليف لعدم خلوّهم عن نفس حيوانيّة حريّة للحمل والتكليف والرياضة والتأديب - وإلّا لجمحت .
والمأمور به هو المشترك بين بدء العبادة وزيادتها والمواظبة عليها وأصلها وكيفيّتها ، فالمطلوب من الكفار هو الشروع فيها بعد الإتيان بما يجب تقديمه من المعرفة والإقرار بالصانع ، فإن من لوازم وجوب الشيء مطلقا وجوب ما لا يتمّ الواجب المطلق إلّا به وكان مقدورا ، وكما إن تحقّق الحدث لا يمنع وجوب الصلاة ، فالكفر لا يمنع وجوب العبادة ، بل يجب رفعه والاشتغال بها عقيبه ، والمطلوب من المؤمنين ازديادهم كمّا وكيفا فيها وثباتهم ودوامهم عليها .
وثانيها ان اللّه تعالى لمّا قدّم أحكام فرق المكلفين من المؤمنين والكفّار والمنافقين وذكر صفاتهم وأفعالهم البدنيّة والقلبيّة ومجاري أمورهم العاجليّة والآجليّة أقبل عليهم بالخطاب ، وهو من جملة الالتفات التي تورث الكلام رونقا وبهاء ، وتزيد السامع هزة ونشاطا .
وما يختصّ منه بهذا المقام من اللطائف انه كما انك تشكو من أحد - مخاطبا لصاحبك - « إن فلانا فعل كذا وكذا » ثمّ تتوجّه إليه مخاطبا ايّاه : « يا فلان ألزم الطريقة الحسنة ، واكتسب السيرة المرضيّة » فهذا الانتقال منك والالتفات من
هامش
( 1 ) مجمع البيان : 1 / 60 . وفي تفسير البيضاوي والفخر الرازي : عن علقمة وحسن ، وفي الكشاف ( 1 / 172 ) : بلغنا بإسناد صحيح عن إبراهيم . عن علقمة : إن كل شيء نزل فيه « يا أيّها الناس » فهو مكّي . . .