تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
واستدلّ على عدم دلالة الأمر على وجوب كل المأمور به بأن معنى « اعبدوا » مثلا ادخلوا هذه المهية في الوجود ، لأن الفعل يتضمن مفهوم الحدث ومعناه لا غير ، فإذا أتى المكلّف بفرد من أفراد المهيّة فقد أدخل المهيّة في الوجود ، لأن كل فرد من المهيّة مشتمل عليها ، لأن كل فرد مركب من المهيّة وقيد ، ومتى وجد المركب فقد وجد جزآه ، فالآتي بفرد من العبادات آت بالعبادة ، فهو آت بما اقتضاه قوله
اعْبُدُوا
فقد خرج عن العهدة فيما هو مقتضى هذا الأمر بحسب الدلالة عليه . ولك أن تقول إن أردت تعميمه جسما مرّت الإشارة إليه : إن الأمر بالعبادة لا بدّ وأن يكون لأجل كونها عبادة ، لان ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعليّة الوصف ، لا سيّما إذا كان مناسبا للحكم كإظهار الخضوع والتعظيم للّه هاهنا المناسب لهذا الحكم ، فإذا ثبت عليه الوصف فأينما حصلت وجب حصول الحكم لا محالة .

المسألة الثانية

إن الحكم بدخول الكفار تحت الأمر بالعبادة فيه إشكال وهو إن كون الإنسان عابدا متوقّف على كونه مؤمنا ، فالتكليف بالعبادة للكفار متوقّف على كونهم مأمورين بالايمان ، لان عبادة من لا يعرف ممتنعة ، وذلك ممتنع ، والموقوف على الممتنع ممتنع أيضا ، فكونهم مأمورين بالعبادة ممتنع . أما وجه امتناع الأول فلأن الأمر بمعرفة اللّه لهم إما حال كفرهم وجهلهم ، أو حال عرفانهم ؛ فالأول يوجب التناقض والثاني تحصيل الحاصل - وكلاهما محالان . أما وجه امتناع الثاني فهو ظاهر لتحقق الملازمة بينهما . وأيضا يستحيل أن يكون هذا الخطاب مع المؤمنين لأنهم يعبدون اللّه ، فأمرهم بالعبادة تحصيل الحاصل . والجواب : إن مراتب الايمان مختلفة متفاوتة كمراتب العبادة ، وأقلّها ما هو حاصل لكل أحد بالفطرة الأولى التي فطر الناس عليها ، وذلك يكفي لتوجّه الخطاب