الغيبة إلى مواجهة المقال يؤثّر في قلبه ما لا يؤثّر فيه استمرارك على لفظ الغيبة .
ومنها : كأنّه تعالى يقول : إنّي قد جعلت واسطة بيني وبينك أوّلا ، والآن أزيد في إكرامك وتقريبك ، فاخاطبك من غير واسطة ليحصل لك مع التنبيه على الأدلّة شرف المخاطبة والمكالمة ، وفيه إشعار بأنّه لنفوذ نوره ورحمته أقرب من كل قريب بالشخص - وإن كان الشخص بعيدا منه لحجابه .
ومنها : إنّه مشعر بأن العبد إذا اشتغل بالعبادة زاد قربا وحضورا وأنسا وحبورا ، وذلك لوقوع الانتقال من الغيبة إلى الخطاب .
ومنها : إن في العبادة كلفة ومشقّة فلا بدّ من راحة ، وهي تحصل بأن يرفع ملك الملوك الواسطة من البين ويخاطبهم بذاته ويقول : « أريد منكم الخدمة » فيستطاب التكليف وتستلذّ العبودية .
ومنها : ما لأهل الإشارة أن يقولوا في تحقيق ذلك ، وهو إن اللّه يخاطب ناسي عهوده يوم الميثاق والإقرار بربوبيّته وشهوده ومعاهدته « أن لا تعبدوا إلا ايّاه » فخالفوا ونقضوا عهده وعبدوا الطواغيت من الأصنام والدنيا والنفس والهوى والشيطان ، فزلّ قدمهم عن جادة التوحيد ، ووقعوا في ورطة الشرط والهلاك . فبعث إليهم الرسول وكتب إليهم الكتاب ، وأخبرهم عن حالهم وشكى عن فعالهم ، ثمّ واجههم بالخطاب من الغيبة ، ودعاهم إلى التوحيد والعبودية كفاحا لعلّهم يتقّون عن شرك عبادة الغير ويوفون بعهد الربوبيّة وينجون من عذاب الدركات .
وثالثها « يا » حرف وضع لنداء البعيد ، وقد ينادى به القريب تنزيلا له منزلة البعيد ، إما لعظمته - كقول الداعي : « يا ربّ » و « يا اللّه » وهو أقرب إليه من حبل الوريد - أو لغفلته وسوء فهمه ، أو للاعتناء بالمدعوّ له وزيادة الحثّ عليه .
وهو مع المنادى جملة مفيدة لأنه نائب مناب فعل ك « أدعو » ونحوه « 1 » ،
هامش
( 1 ) لفظ النداء لفظ يجري مجرى عمل يعمله عامل لأجل التنبيه ( فخر الرازي : 1 / 302 ) .