تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
وأمّا المعتزلة فمنهم من عمّمها وقال إنّ قدرته على ثلاثة أوجه : على المعدومات بأن أوجدها ، وعلى الموجودات بأن يفنيها ؛ وعلى مقدور غيره بأن يقدر عليه ويمنع منه . ومنهم من خصّصها في مقدوراته دون مقدور غيره لاستحالة كون مقدور واحد بين قادرين ، لأنّه يؤدّي إلى أن يكون الشيء الواحد موجودا ومعدوما وهو تناقض محال وتخصيص العامّ جائز في الجملة وواجب بدليل العقل لأنّ قوله : واللّه على كلّ شيء قدير يقتضى أن يكون قادرا على نفسه ثمّ خصّ بدليل العقل وذلك لا يوجب الكذب على اللّه والطعن في القرآن ، لأنّ لفظ الكلّ كما انّه مستعمل في المجموع ، فقد يستعمل في الأكثر وذلك مجاز مشهور في اللغة لم يكن استعمال اللفظ كذبا . وهاهنا تحقيق آخر وهو إن الشيئيّة معناها غير الوجود فإنّ كلّ ممكن موجود فللعقل أن يحلّله إلى وجود هو له في غيره وإلى مهيّة هي له في نفسه ، فالشيئيّة غير الوجود إلّا أنّها لا تنفكّ عن الوجود كما مرّ خلافا للمعتزلة أمّا الباري جلّ ذكره فإذ لا مهيّة له سوى الوجود البحت فلا شيئية له غير شيئيّة الوجود . فإذا تقرّر هذا فنقول : نسبة الباري جلّ ذكره إلى المهيّات كلّها بالقدرة وإلى الوجودات بالإيجاد والإفاضة بالفعل لأنّ معنى القدرة صحّة الفعل والترك والمهيّة في نفسها قابلة للوجود والعدم على التساوي دائما سواء كان حين الوجود أو قبله أو بعده ، فالمقدوريّة ثابتة لها دائما . وأمّا الوجودات فحقيقتها إنّها موجودة بالفعل بإيجاد اللّه وليست هي في أنفسها جائزة العدم لأنّها عين جهات رحمته وجوده ، وإمكاناتها عبارة عن كونها مفتقرة الذوات إليه تعالى مجعولة بجعله وابداعه والضرورة الوجوديّة الثابتة لها ضرورات ذاتيّة ما دامت الذات وليست ضرورة أزليّة والفرق بين الوجوبين ثابت عند أهل الميزان المستقيم فاللّه على كلّ شيء قدير فاعلم هذا فإنّه من العلوم الشريفة المحرّمة على غير أهلها .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 39 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )