وأسرف الملك لذي القرنين فانقمع به الشرك في بلاده .
فهؤلاء الخمسة المذكورين كانوا يوصفون بالحكمة . ثمّ لم يسمّ أحد بعد هؤلاء « حكيما » بل كلّ واحد منهم ينسب إلى صناعة من الصناعات ، أو سيرة من السير ، مثل بقراط الطبيب ، وأوميروس الشاعر ، وأرشميدس المهندس ، وديوجانس الطبيب « 1 » ، وذيمقراطيس الطبيعي .
وقد تعرّض جالينوس في زمانه حين كثرت تصانيفه لأن يوصف بالحكمة - أعني أن ينقل عن لقب الطبيب إلى لقب الحكيم - فقالوا : عليك بالمراهم والمسهلات وعلاج القروح والحميّات ، فإنّ من شهد على نفسه على أنّه شاكّ في العالم « أقديم ، أم حادث ؟ » وفي المعاد « أحقّ هو أم باطل » وفي النفس « أجوهر ، أم عرض ؟ » تتّضع درجته من أن يسمّ حكيما .
قال بعض العلماء : « والعجب من أهل زماننا إنّهم متى رأوا إنسانا قرء كتاب أقليدس ، وضبط أحوال المنطق وصفوه بالحكمة - وإن كان خلوا من العلوم الإلهيّة ، حتّى أنّهم ينسبون محمد بن زكريّا الرازي لمهارته في الطبّ إليها .
ولقد كان أحمد بن سهل البلخي مع براعته في أصناف المعارف وأبواب الدين متى نسبه أحد من موقّريه إلى الحكمة يشمئزّ منه ويقول : « يا لهفي من زمان ينسب فيه ناقص مثلي إلى شرف الحكمة ، كأنّهم لم يسمعوا قول اللّه عزّ اسمه :
مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
[ 2 / 269 ] .
هامش
( 1 ) في محبوب القلوب : ديوجانس الكلبي .