باستجماع أمور :
أحدها : كونه فعليّا سببا لوجود الشيء المعلوم - لا انفعاليا مسبّبا عنه .
والثاني : كونه قطعيّا حقّا - لا ظنيّا أو وهميّا .
والثالث : كونه محيطا بجميع المعلومات الكليّة والجزئيّة .
والرابع : كونه أزليّا دائما غير واقع تحت الحركة والزمان ، مصونا عن التغيّر والتجدّد والحدثان ، وما ذاك إلا هو اللّه ، فلا جرم ليس العليم المطلق إلّا هو ، فلذلك قال :
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
- على سبيل الحصر - .
ثمّ إنّ « الحكيم » يستعمل على وجهين : أحدهما العليم الذي يعلم منافع الأمور ومصالحها وخيراتها - فيكون من صفات الذات - وثانيهما الفاعل الذي لا خلل في فعله ولا اعتراض لأحد عليه - فيكون من صفات الفعل ، ولهذا لا يقال : إنّه حكيم في الأزل .
والأولى حمله هاهنا على المعنى الثاني ليكون أبعد من التكرار .
وعن ابن عباس : إنّ مراد الملائكة من « الحكيم » إنّه هو الذي حكم ، فجعل خليفة في الأرض .
ولا يبعد أن يقال : إن الملائكة لمّا نظروا إلى نشأة الإنسان واشتماله على سائر الأكوان 140 وكونه ثمرة عالم الأجسام 141 ، من الأفلاك والأركان قالوا :
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
لأنّه علم بعلمه الأزلي من الإنسان حين ما هو متّصف بآفات دواعي الشهوة والنقصان ما يصل به إلى نشأته الباقية التي بها فاق على جميع الأكوان ، ثمّ صنع له وأودع فيه بحكمته جميع آلاته وقواه التي 142 بها سلك مسلك الدار الآخرة ، والتقرّب إلى اللّه ، حتى انخرط في سلك ملائكته المقرّبين وعباده المكرمين .
فصل [ الحكمة والحكيم ]
اعلم إنّ الحكيم عندنا عبارة عمّن جمع العلم الإلهي والطبيعي والرياضي