و
قيل : روي إنّه تعالى لمّا خلق آدم عليه السّلام رأت الملائكة خلقا عجيبا ، فقالوا :
« ليكن ما شاء ، فلن يخلق ربّنا خلقا إلّا كنّا أكرم عليه منه » فهذا هو الذي كتموا .
ويجوز أن يكون هذا القول سرّا أسرّوه عن غيرهم بينهم فأبداه بعضهم لبعض وأسرّوه عن غيرهم ، فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان « 1 » .
حكمة آدميّة [ حقيقة الإنسان غيب السماوات والأرض وصورة علم اللّه تعالى ]
يحتمل أن يكون قوله :
أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
إشارة إلى حقيقة الإنسان الذي هو غاية وجود الأكوان 146 وثمرة شجرة الأفلاك والأركان ، بل صفوة عالم الإمكان .
فإنّ سلسلة الموجودات كما هي مترتّبة من المبدأ الأول وما يتلوه من الأنوار العقليّة القاهرة ، ثمّ النفسيّة المدبّرة ، ثمّ الطبائع العلويّة الفلكيّة والكوكبيّة ، والصور النوعيّة العنصريّة على مراتبها في النزول من الأشرف فالأشرف إلى الأخسّ فالأخس - حتّى انتهت إلى ما لا أخسّ منه ، وهي الهيولي الأولى والهاوية القصوى - فكذلك هي مترتّبة في الترقّي من أدنى الوجود وأنزل المراتب إلى أعلاها ، ومن الأخسّ فالأخسّ إلى الأشرف فالأشرف على التكافؤ التعاكسي حتى ينتهي إلى ما هبط منه ، وهو غاية الغايات ونهاية الوجودات - أعني الباري - .
فالوجود بمنزلة دائرة بلغت إلى حيث فارقت منه ؛ فأقرب الموجودات الصادرة من المبدأ الأعلى في سلسلة الإيجاد هو العقول المقدّسة والملائكة المهيّمة سيّما الأول منهم . وأقرب الموجودات إليه في سلسلة العود والرجوع هم العقلاء الكاملون في الولاية والمعرفة ، سيّما النبي الخاتم أشرف البريّة - صلوات اللّه عليه وآله - وهم السابقون علما واللاحقون وجودا كما في العلّة الغائيّة .
هامش
( 1 ) راجع تفصيل الأقوال والقائلين في الدر المنثور : 1 / 49 وتفسير الطبري : 1 / 176 .