أمره من لدنه بغير واسطة ، ولذلك لم يستنبئ ملكا من الملائكة العالين في الأرض كما قال :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ
[ 6 / 9 ] .
ألا ترى إن الأنبياء - سلام اللّه عليهم - لما قويت قواهم ، وفاقت عقولهم وخمدت نار هواهم تحت نور هداهم ، واشتعلت قريحتهم الوقّادة بنور الهداية بحيث يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار أرسل إليهم الملائكة ، ثمّ من كان منهم أعلى رتبة كلّمه ربّه بلا واسطة ، كما كلّم موسى عليه السّلام في الميقات ومحمّدا صلّى اللّه عليه وآله ليلة المعراج وممّا يؤيّد ما ذكرنا ما أخبر صلّى اللّه عليه وآله في تفاوت درجات أخذه عن اللّه العلوم بحسب أحواله المتفاوتة وترقّياته في مراتب العقول المفارقة بعد تجاوز المقامات الفلكيّة ونفوسها العليّة ، فكان يخبر أحيانا إنّه يأخذ عن جبرئيل عليه السّلام ، وإنّ جبرئيل يأخذ عن ميكائيل ، وهو عن إسرافيل ، وإسرافيل يأخذ عن اللّه . ويخبر أحيانا إنّه يأخذ عن ميكائيل دون واسطة جبرئيل . وأخبر إنه كان يلقي إليه أحيانا إسرافيل ، فيأخذ دون واسطة الملكين عليهما السّلام ، وأخذ أحيانا عن اللّه من غير واسطة أحد من الملائكة ، وليس وراء اللّه مرمى .
ونظير ذلك في الطبيعة : إن النفس متوسّطة بين العقل والطبيعة ، وهي متوسّطة ، بينها وبين الروح البخاري ، المتوسّط بين القوى الطبيعيّة وبين الأعصاب والغضاريف وهي بينها وبين الأعضاء والأمشاج .
والمراد هاهنا آدم عليه السّلام لأنّه خليفة اللّه في أرضه ، أو خليفة من سكن الأرض قبله ، أو هو وذريّته ، لأنّهم يخلفون من قبلهم ، وإفراد اللفظ إمّا للاستغناء بذكره عن ذكر بنيه - كما استغنى عن ذكر أبى القبيلة عن ذكرهم في قولهم : « مضر وهاشم » ، أو على تأويل من يخلف ، أو خلفا يخلف .
وأما خليفته في العالم كلّه فهو محمّد صلّى اللّه عليه وآله عند بلوغه إلى المقام المحمود