لطيفة قادرة على التشكّل بأشكال مختلفة ، مستدلّين بأنّ الرسل عليهم السّلام كانوا يرونها كذلك ، وقالت طائفة من النصاري : « هي النفوس الفاضلة البشريّة المفارقة للأبدان ، كما إنّ الجنّ أيضا عندهم هي النفوس الخبيثة الشريرة المفارقة » .
وزعم الحكماء 112 إن ضربا منها جواهر مجرّدة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة وضربا آخر متعلقة بالأجرام الكلّية والجزئيّة بأنحاء من التدبير والتصريف ، فهي عندهم منقسمة إلى قسمين :
قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحقّ ، والتنزّه عن الاشتغال بغير ملاحظة جماله وجلاله ، وهم العليّون والملائكة المقرّبون ، كما وصفهم اللّه في محكم تنزيله بقوله :
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
[ 21 / 20 ] . وقسم يدبّر الأمر من السماء إلى الأرض على ما سبق به القضاء ، وجرى به القلم الإلهي ،
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
[ 66 / 6 ] وهم المدبّرات أمرا ، فمنهم سماويّة ، ومنهم أرضيّة - على تفصيل ذكره في المفاتيح الغيبية « 1 » .
واعلم إنّهم اختلفوا في أنّ المقول لهم كلّ الملائكة ، أم ملائكة الأرض ، والحقّ إنّ المراد من الخليفة إن كان آدم عليه السّلام أو الإنسان الصغير فالمقول له هم الملائكة الأرضيّة ، وإن كان الإنسان الكبير المحمدي عليه وآله السلام فالمخاطب كلّ الملائكة 113 أجمعين .
وقيل « 2 » : هم إبليس ومن كان معه في محاربة الجنّ ، فإنّه تعالى أسكنهم في الأرض أولا فأفسدوا فيها ، فبعث إليهم إبليس في جند من الملائكة فدمّرهم وفرّقهم في الجبال والجزائر .
مثال ذلك قوى مملكة الإنسان في أرض بدنه ، فإنّ مادّة بدنه كانت أولا قبل تعلّق النفس الوهميّة بيد قوى الحيوانيّة الشهويّة والغضبيّة الساكنة في أوسط
هامش
( 1 ) المفاتيح الغيبية : المفتاح التاسع ، 582 .
( 2 ) القائل ابن عباس ، راجع تفسير الطبري : 1 / 108 .