أقول : الأول مبيّن ، لدلالته على أنّ في الوجود عليما يفوق على سائر العلماء ويكون علمه عين ذاته ، إذ لو كان ذا علم - أي عالما بعلم زائد - لكان فوقه عليم آخر فيلزم التسلسل .
والثاني مجمل ، لاحتماله إنّه أنزله بعلمه الذي هو نفس ذاته ، أو بعلمه الذي هو زائد عليه ، والمبيّن مقدّم على المجمل .
تذييل تقديسي [ شمول علمه تعالى الجزئيّات ]
اعلم إنّ علمه تعالى كسائر صفاته مجرّد - اي غير عارض لماهيّة - لأنّه تعالى منزّه عن الماهيّة ، صمد حقّ ، وكلّ فرد 107 مجرّد لأنّه يجب أن يكون قد خرج فيه إلى الفعل جميع كمالاته الحقيقيّة لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها . لأنّه لا جهة له سواها .
ونحن قد حقّقنا في مقامه « 1 » « إنّ كل بسيط الحقيقة يجب أن يكون كلّ الموجودات » وأقمنا عليه البرهان . وما كله الشيء فهو الشيء كله والا كان الشيء قاصرا عن ذاته - وهو محال - وما هذا شأنه يستحيل فيه التعدّد ، فانّ كلّ الشيء لا يتعدّد .
فالعلم هناك واحد ، ومع وحدته يجب أن يكون علما بكلّ شيء ، إذ لو بقي شيء ما لا يكون ذلك العلم علما به ولا شكّ إنّ العلم به من جملة مطلق العلم - فلم يخرج جميع العلميّة في ذلك إلى الفعل ، لكنّا بيّنا إنّ ذلك واجب .
والكلام في سائر الصفات على هذا القياس ، ومن أشكل عليه أن يكون علم الحقّ عزّ وجلّ مع وحدته علما بكلّ شيء ، فذلك لأنّه ظنّه واحدا وحدة عدديّة ، وليس كما ظنّ ، إذ كما إنّ وحدته ليست كسائر الوحدات ، ولا كالآحاد ، فكذلك وحدة صفاته ، وهذا من غوامض الإلهيّة .
واعلم إنّ نحو العلم هنالك على عكس نحو العلم عندنا ، لأنّ المعلوم هنالك
هامش
( 1 ) راجع الاسفار الأربعة : 6 / 110 .