تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
نفس ذوات ما سواه ، لأن ذاته سبب لما سواه ، وعلمه بذاته سبب لعلمه بما سواه ، والعلّتان - وهما ذاته وعلمه بذاته - واحدة بالذات ، فيجب أن يكون المعلولان - وهما ما سواه وعلمه بما سواه - واحدا بالذات ، فيكون علمه بكلّ شيء عين وجود ذلك الشيء ، فعلمه بكلّ شيء على وجه جزئي ، خلافا لما اشتهر من شرذمة من المتفلسفة - خذلهم اللّه - إنّه لا يعلم الجزئيّات الماديّة . واعلم [ إنّ ] علمه تعالى بالأشياء علمان : واجب وممكن . فالأول علم كماليّ فعليّ هو عين ذاته المقدّسة ، فإن ذاته حقيقة ينشأ منها جميع الحقائق ، كما إنّ العقول البسيطة عندنا علة يصدر منها مفصل المعقولات . والثاني : علم تفصيلي هو صورة كل واحدة واحدة من الحقائق الامكانية سواء كانت 100 مقارنة لذاته - كما ذهب إليه الحكماء المشّاؤن وأتباعهم كأبي نصر وأبي علي - أو مبائنة عنه تعالى - كما عليه الإشراقيون وغيرهم - أو غير زائدة 101 على أسمائه وصفاته - كما رآه آخرون من العرفاء . قال بعض الحكماء 102 من أتباع أرسطو مشيرا إلى هذين العلمين « 1 » : « واجب الوجود مبدأ كلّ فيض ، وهو ظاهر ، فله الكلّ من حيث لا كثرة فيه 103 ، فهو من حيث هو ظاهر [ فهو ] « 2 » ينال الكلّ من ذاته ، فعلمه بالكلّ بعد ذاته ، وعلمه بذاته نفس ذاته فيكثر علمه بالكلّ كثرة بعد ذاته ، ويتّحد الكلّ 104 بالنسبة إلى ذاته فهو الكلّ في وحدة » . - انتهى . واعلم إنّ تحقيق القول في علمه تعالى يحتاج إلى خوض عظيم في بحر علوم المكاشفة ، ولا يكفي في ذلك مقروعات الأسماع من غير بصيرة قلبيّة بعين اليقين .
هامش
( 1 ) فصوص الحكم للفارابي : فص 11 : 58 ، بغداد 1396 . ( 2 ) الإضافة من المصدر .