لأنّه لا يحتاج إلى معرفتها لأنّها فيه وهو علّتها ، وجهل العقل ليس عدم المعرفة ، بل [ هو ] المعرفة القصوى ، وذلك إنّه يعرف الأشياء لا كمعرفة الأشياء نفسها ، بل فوق ذلك وأفضل وأعلى لأنّه علّتها فمعرفة الأشياء بأنفسها عند العقل جهل ، لأنّها ليست معرفة صحيحة ولا تامّة ، فلذلك قلنا إن العقل يجهل الأشياء التي تحته نعني بذلك إنّه يعرف [ الأشياء التي ] تحته معرفة تامّة لا كمعرفتها بأنفسها ولا حاجة له إلى معرفتها « 1 » ، وكذلك النفس تجهل معلولاتها بالنوع الذي ذكرناه آنفا ، ولا تحتاج إلى معرفة [ شيء من الأشياء ] إلّا إلى معرفة العقل والعلّة الأولى لأنّهما فوقها » .
وأما المعتزلة فهم لا يقولون بأنّ العبد خالق لحقائق ما صدرت عنه ، بل هو بإرادته مبدأ لحركات وسكنات كالأكل والشرب ، والقيام والقعود وغيرها ، وله من العلم به بها ما يكفي لرجحان أحد جانبي الحركة أو السكون على الآخر ، وهما الوقوع واللاوقوع .
وحاشا من له أدنى مسكة من العقل أن لا يعقل إن الصبّاغ - مثلا - منّا ليس موجدا لحقيقة الصبغ ، ولا لحقيقة الكرباس ، ولا لصيرورة الكرباس قابلا للصبغ ، ولا لكونه مصبوغا بالفعل - أي منفعلا عن تأثير الصبغ فيه فإنّ من اشتبه عليه ذلك فهو خارج عن حدود أهليّة البحث والنظر ، بل الخلاف في أن حركات الصبّاغ كالجمع بين الكرباس والصبغ ، وكتفريق الصبغ عليه من فعل العبد أولا ، وكذلك في سائر الأبواب كالبناء ، والتوليد ، والكتابة ، والزراعة وغيرها .
ثمّ قال « 2 » : قالت المعتزلة : « إذا وقع الجمع بين هذه الآية وبين قوله :
وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
[ 12 / 76 ] ظهر إنّه تعالى عالم بذاته » . والجواب إنّ قوله تعالى :
وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
105 عامّ ، وقوله :
أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ
[ 4 / 166 ] 106 خاصّ - والخاصّ مقدّم على العامّ .
هامش
( 1 ) أضيف في المصدر : لأنه علة فيها وهي معلولاته كلها ، فإذا كانت فيه لم يحتج إلى معرفتها .
( 2 ) الفخر الرازي : 1 / 375 .