قال صاحب التفسير الكبير « 1 » « هذه الآية تدلّ على فساد قول الفلاسفة القائلين بعدم علمه بالجزئيّات وصحّة قول المتكلّمين في اثبات علمه بها ، واستدلوا على ذلك بأنّه تعالى فاعل لهذه الأجسام على نهج الإتقان والإحكام ، وكلّ ما هو كذلك يكون عالما بما فعله . وهذه الدلالة بعينها ذكرها اللّه تعالى في هذا الموضع لأنّه ذكر خلق السماوات والأرض ، ثمّ فرّع على ذلك كونه عالما فثبت إنّ قول المتكلّمين مطابق للقرآن مذهبا واستدلالا .
ويدل أيضا على فساد قول المعتزلة ، لدلالته على أن موجد كلّ فعل لا بدّ وأن يكون عالما به على سبيل التفصيل ، فلمّا لم يكن الإنسان عالما بكنه ما يصدر منه علمنا أنه غير موجد له » .
أقول : أما الفلاسفة فلم ينفوا علمه تعالى بالجزئيّات بحسب شخصيّاتها ، إلّا إنّهم قالوا « ليس نحو علمه تعالى بها من الإحساس والتخيّل » ومناط الجزئيّة والامتناع عن الصدق على كثيرين عندهم أحد هذين الأمرين - سواء كانوا مصيبين في ذلك أو مخطئين .
ولعمري إنّ خطأ الحكماء وجهلهم في باب المعرفة أولى من إصابة المتكلّم من غير بصيرة . ويؤيد ما ذكره قول معلّمهم ومقدّمهم أرسطاطاليس حيث قال في كتابه المعروف بالمعرفة الربوبيّة بمثل هذه العبارة « 2 » « « 3 » إنّ العقل يجهل ما فوقه - وهي العلّة الأولى - [ ولا يعرفها ] معرفة تامّة ، وإلّا لكان هو فوقها ، ومحال أن يكون الشيء فوق علّته وعلّة لعلّته ، وهذا قبيح جدا ، والعقل يجهل ما تحته أيضا « 4 »
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي : 1 / 375 بتصرفات من المؤلف .
( 2 ) أثولوجيا ، الميمر الثاني ( قاهرة 1966 بتحقيق البدوي ص 37 ) .
( 3 - 4 ) في المصدر : ان العقل يجهل ما فوقه من علته وهي العلة الأولى القصوى ، ولا يعرفها معرفة تامة ، لأنه لو عرفها معرفة تامة لكان هو فوقها وعلة لها . ومن المحال أن يكون الشيء فوق علته وعلة لعلته ، وذلك أن يكون المعلول علة لعلته ، والعلة معلولة لمعلولها وهذا قبيح جدا ، والعقل يجهل ما تحته من الأشياء كما قلنا قبل ، لأنه . . .