يتساوى بالنسبة إليها الطرفين .
فالسؤال بكيف ، ولم وأين وأنّى وبسائر الكلمات الاستفهامية عمّن لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في السماء والأرض ولا يخرج عن قدرته وسلطانه شيء من عالمي الملك والملكوت إنّما يكون بالقياس إلى الأسباب القريبة المكتنفة بفعل العبد ، وبالنظر إلى العلوم الحادثة الزمانيّة المتجدّدة حسب تجدّد الأحوال والآجال والأمكنة والأوضاع ؛ وأما بالقياس إلى ذات اللّه القيّوم وعلمه المحيط بالكلّ فلا كيف ولا أين ولا متى ولا وضع ولا لمّية ، لأنّ هناك اضمحلّت الكثرات وطاحت الايون والإشارات وهلكت الأوضاع والكيفيّات ، فيصير الكلّ كلا شيء ، والأمكنة تتضائل من قهره كنقطة واحدة ، والأزمنة تنزوي بعضها إلى بعض من سطوته وهيبته ، فتصير كآن واحد .
وأما عن الرابع : فبمثل ما وقع الجواب عن شبه إبليس المذكورة عنه ، المنسوبة إليه في شرح الأناجيل الأربعة « 1 » ، فإنّه قد ذكر هناك : « قد أوحى اللّه إلى ملائكته عليهم السلام قولوا له : إنّك غير صادق فيما تقول ولا مخلص ، إذ لو صدقت أنّي إله العالمين ما تحكمت ( احتكمت - ن ) على بلم » .
فهيهنا أيضا نقول : لو علم - هذا المفروض كافرا - إن علم اللّه وإرادته وقدرته ومشيئته وقضائه وقدره وخلقه هي جارية في هذا العالم ، حاكمة على كلّ شيء ، وإنّ اللّه تعالى لا رادّ لحكمه ، ولا مهرب من قضائه وحكومته ، ولا منجى من سطوته ولا ملجأ من سلطانه ، فلم يكن هذا المفروض كافرا كافرا ، بل مؤمنا حقّا ، فإن من علم كيفيّة جريان إرادة اللّه وقضائه في عالمنا هذا بوجه عقليّ برهانيّ فلم يكن ممّن ينسب الكفر والمعاصي والشرور من حيث هي شرور وأعدام ونقائص وقوى وملكات - إلّا إلى الأسباب القريبة الجسمانيّة ، والاستعدادات الرديئة الظلمانيّة .
هامش
( 1 ) راجع تفصيل الشبه في الملل والنحل للشهرستاني : المقدمة الثالثة ، وقد نقله المصنف مفصلا في تفسيره لآية الكرسي : 255 .