لأنّ الفاعليّة لو لم تتوقّف على الداعية لزم وقوع الممكن من غير مرجّح - وهو نفي الصانع - [ ولو توقّفت لزم الجبر ] « 1 » واثبات الرسول يلجئ إلى القول بالقدر ، لأنّه لو لم يقدر العبد على الفعل ، فأيّ فائدة في بعث الرسل وإنزال الكتب ؟ أو نقول : لمّا راجعنا « 2 » إلى الفطرة السليمة وجدنا إن ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه لا يترجّح أحدهما على الآخر إلّا لمرجّح - وهذا يقتضي الجبر - ونجد تفرقة ضروريّة بين حركات الإنسان وسكناته وبين حركات الجمادات والحركات الاضطراريات ، وهذا يقتضي مذهب الاعتزال ، فلذلك بقيت هذه المسألة في حيّز الاشكال » - انتهى .
ومن كان هذا حاله في مثل هذه المسألة التي هي إحدى قواعد الايمان وعليها مبني كثير من المقاصد التي يضرّ الجهل بها للإنسان ، فمعلوم من حاله إنّه متحيّر في جلّ المقامات اليقينيّة - بل كلّها - فما الفائدة له في تكثير التصانيف وتطويل المباحث والأقاويل ، ونحن نعلم يقينا إن اللّه لم يجعل طلب العلوم والمعارف مركوزا في جبلّة الخلق إلّا لغاية يترّتب عليها هي تنوير القلوب بأنوار المعارف ، وتنجية النفوس عن ظلمات الجهالات وسياقها إلى دار القدس والكرامة ، ولأجلها بعث اللّه الرسل وأنزل الكتب .
و
في الحديث : « 3 » « من أخلص اللّه أربعين صباحا ظهرت من قلبه على لسانه ينابيع الحكمة »
وقد سمّى اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله نورا وهاديا ، وجعل كتابه نورا وهدى في قوله :
قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ 5 / 15 - 16 ] وقال :
ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
[ 6 / 88 ] فمن حاول العلم مدّة مديدة وصرف عمره في تحصيله ، ثمّ لم يكن على بصيرة ولم يأت بحاصل ولم يرجع إلى طائل ، فضلّ سعيه في الحياة الدنيا وماله في العلم واليقين نصيب .
هامش
( 1 ) الإضافة من المصدر .
( 2 ) الصحيح « رجعنا » كما في المصدر ، وإضافة الألف تصحيف من النساخ .
( 3 ) راجع البحار : 70 / 242 والكافي : 2 / 15 وحلية الأولياء : 10 / 70 .