كالحرارة للنار 86 ، والبرودة للماء واليبوسة للأرض ، والرطوبة للهواء - وصفة الإنسان في هذا العالم 87 - وما يجري مجراه من الحيوان - هو الاختيار لما له أن يفعل بهذا الاختيار بالنسبة إلى الإنسان .
فعلى هذا - فالجواب عمّا ذكروه أولا بالمنع عن قولهم : « لم تكفرون ؟ » بمنزلة : « لم تسودّون ؟ » وذلك لأنّ الكافر الأسود ، ليس في اسوداده مختارا في عين الإجبار كما في كفره ، فإنّ كفره وقع باختياره ، بخلاف سواده .
وعمّا ذكروه ثانيا : إنّ اللّه لم يرد من عباده أولا وبالذات الكفر - بل ثانيا وبالعرض - كما قال :
وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ
[ 39 / 7 ] وقوله :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
[ 2 / 185 ] .
فقد ثبت بالحكمة إن الخير برضاه وقضاه جملة وتفصيلا ، والشرّ بقضائه جملة 88 وبقدره تفصيلا ، فالإرادة الأوليّة الرضائيّة 89 تؤدي إلى الخير الكلّي 90 والنظام الأعلى بالقياس إلى العوالم كلّها بحسب الأنواع 91 ، والإرادة الثانويّة القدريّة الجزئيّة تؤدّي إلى الخير والسعادة لطائفة بالقياس إلى عالم ، وإلى الشرّ لطائفة أخرى بالقياس إلى عالم آخر ، كما
في الحديث الإلهي « 1 » : « هؤلاء للجنّة ولا أبالي ، وهؤلاء للنار ولا أبالي »
وقوله تعالى :
وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ
[ 11 / 119 ] . 92 93 وأمّا التوبيخ والتخويف والزجر والإيعاد وما يقابلها - من التحسين والنصيحة والتعظيم والبشارة والوعد وغير ذلك - فهي من جملة الأسباب القدريّة ومن المهيّجات للدواعي والأشواق ، والبواعث على الأغراض والحركات كسائر الأمور القدريّة الواقعة تحت الأسباب القريبة 94 التي للاختيار فيها مدخل - كما مرّ مرارا .
وأمّا عمّا ذكروه ثالثا فبأنّ هذه الأفعال - كالكفر والإفك والصرف والإعراض - لها وجهان : وجه إلى الأسباب والدواعي الكلّية العالية ، ووجه إلى الدواعي والأسباب القريبة كإرادة العبد وقدرته وشوقه وداعيته ، سيّما قدرته التي
هامش
( 1 ) جاء ما يقرب منه في البحار : 5 / 230 و 253 . والمسند : 5 / 239 و 68 .