لأنّ من أساء علمه أو أخطأ في اعتقاده فإنّما ظلم نفسه بظلمة جوهره وسوء استعداده وكان أهلا للشقاوة في معاده - كما سبق - لكن يعلم بقوّة إيمانه إن سلسلة الأسباب لا بدّ وأن يعود إلى الأمور الإلهيّة القضائية ، كما قال تعالى :
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ 36 / 7 ] وقوله :
وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
[ 11 / 119 ] .
فالكفر والمعاصي منسوبة إلى العبد لا بمعنى خلق الأفعال ، وهي منسوبة إليه تعالى لا بمعنى الإلجاء والقسر - بل كما عرفت مرارا .
وأما عن الخامس : فإنّ الوارد من اللّه على الخلق كلّهم أمر واحد وفيض [ فارد ] والاختلاف إنّما يكون بحسب القوابل والمستعدّات ، وإن النازل كلّه نور ورحمة ، ولكن ينقلب في حقّ بعضهم ظلمة وآفة ومحنة ، مثل قوله :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها
[ 13 / 17 ] وقوله :
يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
[ 13 / 4 ] .
وكلّ ما فعله اللّه أولا بأهل الايمان فعله بأهل الكفر من نعمة الخلق والإحياء والعقل والتكليف والهداية والدعوة بالآيات ، وإرادة طريقي الخير والشر ، والنفع والضرّ وغير ذلك ، فصار الكلّ سببا لقرب هؤلاء ومنشأ لبعد هؤلاء ولا يزالون مختلفين - فما صنعه تعالى بهما جميعا في الدنيا هو معدود من نعم اللّه التي أعطاها لعباده - وأن انقلب بعضها في حقّ البعض نارا محرقة وسموما مهلكة - لحرقة في قلوبهم - وتغيّظا وزفيرا في صدورهم ، ولهذا صحّ قوله تعالى فيهم :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ
ويعذّبون بالنار وقد أنعم اللّه عليكم بمثل هذه النعم العظيمة التي أنعمها على المتّقين ، وقد صارت وقاية لهم من عذاب الجحيم وألم الحميم .
وأما الجوابان اللذان ذكرهما من قبل الأشاعرة فإنّها وإن حصل بهما الإلزام للمعتزلة لكن لا يفي بدفع الإشكال وحلّ عقدة الإعضال عنهم أنفسهم ، لأنّ الذي ذكره .