تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
فذلك لأنّه لم يكن مخلصا للّه في كسبه وتحصيله ، طالبا لمرضاته في طلبه وسعيه بل كان سعيه لهوى النفس وحبّ الدنيا ، وتحصيله لطلب الترفّع على الاقران وبسط الاشتهار والصيت في البلدان ، وكونه مشارا إليه بالأنامل ، معدودا من الأكابر والأماثل . هذه غاية قصودهم ، وفيه صرف مجهودهم ، ولهذا وصلوا إليها في الأكثر ، وحرموا عن جدوى العلم ، محجوبين يومئذ عن النعيم الأنور ، محرومين عن أشعّة أنوار اللّه يوم العرض الأكبر . وأما اندفاع الشبه التي ذكرها من طريقة أهل الاعتزال ففي غاية السهولة عند اللبيب المتفطّن بما مضى من المقال ، أو العارف الواقف بأسرار الحقيقة بنور الأحوال ، فإنّ تلك الشبه مقتضاها نسبة الكفر والمعاصي إلى إرادة العبد واختياره وهي حقّ وصدق . كيف - ولو لم يكن للعبد إرادة وقدرة لم يمكن توجيه الأمر والنهي والوعد والوعيد ، ولا طلب الخير والتحرّز عن الشر ، ولا فائدة في الدعاء والعبادة والرياضة وكسب العلوم والآداب ، لكن كل ذلك عند التحقيق لا ينافي الجبر ، بل الإنسان في عين اختياره مجبور - كما ورد في حديث الصادق عليه السّلام « 1 » : « لا جبر ولا تفويض ، بل أمر بين أمرين » . وليس معناه كما زعمه أكثر من نظر في هذا الحديث إن للعبد حالة بين الجبر والتفويض خارجا عن حقيقتهما ، كما إنّ الفلك لا حارّ ولا بارد ؛ ولا إنّ له حالة ممتزجة عنهما متوسّطة بين كمال كل من طرفي الجبر والتفويض ، كالماء الفاتر الممتزج من مائين منكسري السورتين ، يقال له : « لا حارّ ولا بارد » إذ ليس شيء منهما هو المقصود من هذا الحديث - لا ذاك ولا ذا - بل إن اختيار الإنسان عين اضطراره ، وجبره عين تفويضه ؛ فهو مضطرّ في عين الاختيار 84 ، ومختار ، في عين الجبر ، لأن لكلّ شيء صفة لازمة هي كماله الثاني 85 ، وهو صورة كماله الأول الذي به قوام ذاته -
هامش
( 1 ) الكافي : باب الجبر والقدر . . . : 1 / 160 . التوحيد : 362 .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 263 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )