كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
موبّخا لهم ، كما لا يجوز أن يقول : « كيف تسودّون وتبيضّون وتسقمون وتصحّون ؟ » لأنّ الجميع من خلقه .
وثانيها : إذا كان خلقهم أولا للشقاء والنار وما أراد منهم إلّا الكفر فكيف يوبّخهم عليه ؟
وثالثها : كيف يليق بالحكيم إيجاد الكفر فيمن يقول لهم :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ
توبيخا ومنع الايمان عمن يقول في حقّهم :
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا
[ 17 / 94 ]
فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ 84 / 20 ] وأنّى يصحّ أن يقول :
فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ
[ 74 / 49 ] و
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
[ 10 / 34 ] و
فَأَنَّى تُصْرَفُونَ
[ 10 / 32 ] وهو يخلق فيهم الإعراض والإفك والصرف ، لأنّه ممّا يشبه السخريّة دون الحكمة أو الإلزام .
ورابعها : إن اللّه إذا قال للعبيد
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
احتجاجا عليهم فلهم أن يقولوا : حصل في حقّنا أسباب كثيرة موجبة للكفر ، أولها قضاؤك النافذ الحتم .
وثانيها قدرك اللازم . وثالثها إرادتك . ورابعها خلقك الكفر فينا ( في - ن ) وخامسها خلقت فينا ( في - ن ) قدرة عليه . وسادسها إرادة موجبة له . وسابعها حركة متوجّهة إليه « 1 » والايمان أيضا يتوقف على نظائر هذه الأسباب السبعة - وهي كلّها مفقودة - فقد حصل لعدم الايمان أربعة عشر سببا ، كلّ منها مستقل بالمنع عن الايمان ، فمع قيام هذه الأسباب الكثيرة كيف يعقل أن يقال : كيف تكفرون ؟
وخامسها إنّه تعالى قال : كيف تكفرون باللّه الذي أنعم عليكم هذه النعم العظيمة مثل الحياة وما قبلها وما بعدها ؟ وعلى قول الجبريّة لا نعمة له عليهم ، لأنّ كلّ ما فعله بهم كان لاستدراجهم وسوقهم إلى النار جبرا وقهرا .
وهذا كمن قدّم إلى رجل صحفة فالوذج مسموم ، فإنّ ظاهره وإن كان لذيذا ويعدّ نعمة ، لكن عند التحقيق لا يعدّ نعمة لكونه مهلكا ، ومعلوم إن العذاب الدائم
هامش
( 1 ) الوجوه ستة في المصدر والمصنف يتصرف في نقلها فيشرح تارة ويلخص أخرى .